مقالة سياسية

حين باعت أمريكا حليفها في الغرف المغلقة.. الصفقة السرية التي أنقذت العالم من حرب نووية!

أزمة الصواريخ الكوبية 1962 وصفقة سحب صواريخ جوبيتر من تركيا

بقلم: عبد الله السحيم

دولةٌ حليفة لأمريكا، نُشرت فوق أراضيها صواريخ نووية، وكانت تلك الصواريخ تُمثّل جزءاً من ضمانات الحماية الأمريكية لها ولعواصمها من أعدائها وأعداء واشنطن معاً. نعم، أمريكا التي تُقدّم نفسها حارسةً لقلب العالم ومانعةً للتمدد الروسي. وقد حظيت تلك الدولة بحماية استثنائية جعلت الروس يرفعون حساباتهم وتقديراتهم لأي خطوة.

قصةٌ جميلة حتى الآن.. لكن خذ الأقوى يا عزيزي.

أمريكا جلست مع الروس خلف الأبواب المغلقة، ووافقت على سحب تلك الصواريخ من تلك الدولة ضمن صفقة سرية لإنقاذ نفسها من مواجهة عسكرية في مكان آخر!

والأغرب من هذا كله؟ أن أمريكا خرجت أمام العالم تُعلن انتصارها على روسيا، وتُقدّم نفسها باعتبارها القوة التي أجبرت الروس على التراجع! لكن في الحقيقة كان ثمة تنازلٌ سري مخفي عن الإعلام والأنظار.

هذه القصة ليست من الخيال، وإنما واقعة تاريخية موثقة جرت عام 1962، بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، وكانت تركيا هي الحليف الذي جرى التفاوض على حمايته!

الصواريخ الأمريكية في تركيا

في عام 1962، كانت أمريكا قد نشرت 15 صاروخاً نووياً من طراز جوبيتر في تركيا، وكانت تلك الصواريخ قادرةً على ضرب أهداف داخل الاتحاد السوفيتي وردعه على أقل تقدير عن ارتكاب أي خطأ. وكانت تركيا تنظر إليها باعتبارها أحد رموز الالتزام الأمريكي بحمايتها. في المقابل، قرر الاتحاد السوفيتي نشر صواريخ نووية في كوبا الملاصقة للأراضي الأمريكية.

وهنا جُنّ جنون واشنطن!

خرج الرئيس الأمريكي جون كينيدي إلى الإعلام، وأعلن فرض حصار بحري على كوبا لمنع وصول مزيد من الأسلحة الهجومية، وطالب السوفييت بإزالة صواريخهم. كان العالم كله على حافة حرب نووية فعلية!

إعلان الانتصار الأمريكي.. والحقيقة المخفية

بعد أيام من التهديدات والمفاوضات، خرج الزعيم السوفيتي خروتشوف في 28 أكتوبر 1962، وأعلن موافقته على سحب الصواريخ من كوبا. وانتهت الأزمة في صورة انتصار أمريكي كبير! كينيدي أجبر السوفييت على التراجع! موسكو رضخت للضغط الأمريكي! وواشنطن انتصرت دون أن تضطر علناً إلى التخلي عن صواريخها في تركيا!

لكن ما لم يعرفه العالم يومها هو أن أمريكا كانت قد عقدت صفقة سرية مع السوفييت، كان أحد أثمانها موجوداً فوق الأراضي التركية!

الاجتماع السري في ليلة 27 أكتوبر

في ليلة 27 أكتوبر، وقبيل إعلان الانسحاب السوفيتي، اجتمع روبرت كينيدي شقيق الرئيس الأمريكي مع السفير السوفيتي أناتولي دوبرينين. في ذلك الاجتماع قدّم الأمريكيون تعهداً سرياً بسحب صواريخ جوبيتر من تركيا خلال أشهر، مقابل سحب السوفييت صواريخهم من كوبا.

لكن بشرط أساسي واحد: ألا يظهر الانسحاب الأمريكي باعتباره جزءاً من الصفقة!

انتبهوا جيداً.. واشنطن لم تكن تريد أن يعرف العالم أنها قدّمت تنازلاً للسوفييت، ولم تكن تريد إحراج نفسها أمام حلف الناتو، ولذلك أبقت المقايضة طي الكتمان!

تحذير السفير الأمريكي في أنقرة

في اليوم نفسه، 27 أكتوبر 1962، كان السفير الأمريكي في تركيا ريموند هير يُحذّر واشنطن من خطورة المسألة. تعرفون من ماذا كان يُحذّر؟ من أن يشعر الأتراك بأن مصالحهم كحليف يجري استخدامها في صفقة لاسترضاء عدو! نعم، هذا المعنى بعينه ورد في برقية أمريكية سرية وليس اتهاماً نخترعه اليوم! يعني الأمريكيون أنفسهم كانوا يُدركون أن ما يجري قد يُفهم في أنقرة باعتباره مقايضةً بمصالح حليف لإرضاء خصم!

لكن واشنطن مضت في تفاهمها السري.

ماكنمارا وسنجار: الكذبة أمام الحليف

بعد نحو شهر ونصف، وتحديداً في 14 ديسمبر 1962، جلس وزير الدفاع الأمريكي روبرت ماكنمارا مع وزير الدفاع التركي إلهامي سنجار. وهنا حصل شيء عجيب! ماكنمارا كان يعلم بالتفاهم السري مع السوفييت بشأن سحب الصواريخ من تركيا، ومع ذلك قدّم للوزير التركي روايةً مختلفة، وادّعى أن واشنطن رفضت مناقشة المقارنة بين الصواريخ السوفيتية في كوبا والصواريخ الأمريكية في تركيا مع موسكو! ثم راح يُقنعه بأن صواريخ جوبيتر أصبحت متقادمة، وأن الأفضل استبدالها بغواصات بولاريس النووية.

أما وزير الدفاع التركي فكان قلقاً للغاية. وقال كلاماً مؤلماً سياسياً، مفاده أن جوهر المشكلة هو ثقة تركيا بحليفتها أمريكا، وأن الانسحاب قد يترك الأتراك يشعرون بأنهم باتوا وحدهم!

تخيّلوا المفارقة.. الوزير التركي يجلس أمام نظيره الأمريكي ويتحدث عن الثقة والضمانات والشراكة، بينما نظيره يعرف تفاصيل تفاهم سري لم يكشفه له!

وثيقة ماكنمارا إلى كينيدي

لكن القصة لم تنتهِ هنا. بدأت أمريكا تتفاوض مع تركيا على ترتيبات استبدال الصواريخ، وعرضت عليها غواصات بولاريس وتسريع تسليم مقاتلات F-104، إلى جانب ترتيبات ومساعدات عسكرية أخرى. وفي النهاية وافقت أنقرة على سحب صواريخ جوبيتر، لكنها لم تكن قد أُبلغت بحقيقة المقايضة السرية التي سبقت تلك المفاوضات!

هل نفّذت أمريكا ما تعهدت به للسوفييت فعلاً؟ نعم! بل لدينا وثيقة أمريكية أصلية بتاريخ 25 أبريل 1963، أرسلها وزير الدفاع ماكنمارا إلى الرئيس كينيدي شخصياً، يُبلغه فيها بأن آخر صاروخ جوبيتر في تركيا أُنزل من منصته في اليوم السابق، وأن آخر رأس نووي تابع لتلك الصواريخ كان مقرراً إخراجه من البلاد في 27 أبريل! أي بعد نحو ستة أشهر من التفاهم السري، كانت واشنطن قد أنجزت عملية سحب الصواريخ من تركيا.

والأخطر أن وزارة الخارجية الأمريكية كانت قد وجّهت سفاراتها في مارس 1963 إلى تجنّب الربط إعلامياً بين تفكيك الصواريخ الأمريكية وانسحاب الصواريخ السوفيتية من كوبا! بمعنى آخر، كانت أمريكا تُنفّذ ما تفاهمت عليه سراً مع موسكو، وفي الوقت نفسه تعمل على منع ظهور الصلة بين العمليتين أمام الرأي العام!

صحيحٌ أن صواريخ جوبيتر كانت متقادمة فعلاً، وأن استبدالها كان يخدم المصالح العسكرية الأمريكية، وأن واشنطن لم تسحب جميع أسلحتها النووية من تركيا، لكن كل ذلك لا يُغيّر حقيقة أن ثمة اتفاقاً سرياً مع السوفييت لم تُطلع عليه تركيا وقت إبرامه!

وهذا هو جوهر القصة: أمريكا لم تغدر بتركيا لأنها سحبت صواريخ قديمة، وإنما لأن مصير تلك الصواريخ دخل في تفاهم سري مع الخصم، بينما بقي الحليف خارج حقيقة التفاهم!

ولذلك، حين أقرأ تاريخ المفاوضات الأمريكية لا أتوقف كثيراً عند ما يقوله المسؤولون أمام الكاميرات؛ لأن أزمة الصواريخ الكوبية علّمتنا أن ثمة فرقاً كبيراً بين الرواية التي تُقدَّم للشعوب والتفاهمات التي تجري في الغرف المغلقة. فقد تبدو أمريكا منتصرة في الإعلان، بينما تكون قد قدّمت تنازلات لا يعرف عنها الجمهور شيئاً!

وقد يجلس مسؤول أمريكي أمام حليفه يتحدث معه عن الثقة والضمانات والشراكة، بينما يكون قد اتفق خلف ظهره مع خصمه على ترتيبات تمسّ مصالح ذلك الحليف!

ولهذا، حين أكتب عن اتفاقيات سرية محتملة وأقول إن هناك شيئاً للاستهلاك الإعلامي ستشاهده على كبرى القنوات وهناك شيئاً آخر يمكن استنتاجه من التحركات أو توقعه بناءً على الأحداث التاريخية، فافهم جيداً أنني أقصد هذا بالضبط. أمريكا لم تأتِ من المريخ، أمريكا دولةٌ لديها كتب تشرح طريقة تفكيرها. مذكرات المسؤولين الأمريكيين تملأ المكتبات في كل مكان. اذهب واقرأ وافهم حقيقة الأمر. انظر إلى كتب كيسنجر وبريجنسكي وبولتون، وحتى الروس مثل "ألكسندر دوغين" وغيرهم الكثير.

اقرأ أيضاً


اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة