فارس بني مجيد الحلقات من (1 ــــ 5)

بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي
مقدمة
في ذاكرة جبال بني مجيد حكاية فارس استثنائي، عاش عزيز النفس، شديد البأس، لا يهاب المواجهة، وجعل من بندقيته رفيقة دربه، ومن الجبال ملاذًا حين ضاقت به الأرض. لم تغره المشيخة، ولم تستوقفه الأراضي والثروة، بل اختار طريقًا مختلفًا، ارتبط فيه بالبادية ورعي الإبل والأغنام، وعُرف، وفق رواية الكاتب، بنصرة المظلومين والوقوف إلى جانب المستضعفين.
إنها حكاية علي، فارس بني مجيد، الذي برز اسمه خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين، قبل أن يجد نفسه في مواجهة مع السلطة، تنتهي فصولها بمأساة ترويها الذاكرة الشعبية، وتثير أسئلة عن التاريخ المنسي ومصائر الرجال الذين طواهم النسيان.
في خمس حلقات متتابعة، يأخذنا الدكتور عوض أحمد العلقمي في رحلة إلى ماضي القبيلة، وملامح شخصية الفارس، وأيامه في الجبال، وصولًا إلى المواجهة الأخيرة التي يروي الكاتب تفاصيلها في سردية تختلط فيها الفروسية بالمأساة، وتبقى فيها الحكاية بحاجة إلى من يعيد قراءتها وتوثيقها للأجيال القادمة.
الحلقة الأولى: فارس بني مجيد 1
سوف نتحدث في حلقات عن فارس من فرسان قبيلة بني مجيد، برز اسمه وفعله في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن المنصرم، غير أن التاريخ قد تجاهله كثيرًا، لأسباب منها؛ مواجهته العنيدة لجبروت قمع السلطة، وظلمها الذي عم البلاد والعباد؛ إذ أصبح ذكر اسم ذلك الفارس فقط جريمة تبلغ عقوبتها الإعدام، كذلك حرمان أهله وأقربائه من زيارته، أو مواراته بالثرى، بعد أن سقط شهيدًا في مقارعة ظلم السلطة وطغيانها، فضلًا عن التوجيه القسري لأقلام النخب، وأرباب الرواية والأخبار في البلدة، نحو الثناء على أفعال السلطة القمعية، واستهداف الفرسان والأبطال الذين واجهوا جبروت السلطة، وأفعالها القمعية بالتقتيل والتنكيل والتهجير، وتشويه تاريخهم حتى بعد الموت، وبذلك استطاعت السلطة، ومن سار على نهجها، وانحنى أمام عواصفها، طمس زمان أولئك الفرسان، وقبر مكانتهم، وإخفاء تاريخهم، دونما تذكير، حتى صدّق أبناؤهم وأحفادهم ذات يوم أنهم كانوا إمبرياليين وأرستقراطيين ورجعيين، وقفوا ضد التقدميين من أبناء الثورة.
قبيلة بني مجيد سادت في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجريين السهول الساحلية الواقعة في تخوم جنوب البحر الأحمر، وباب المندب، وخليج عدن؛ إذ امتد نفوذها من الخوخة وموزع والمخا غربًا إلى حيق عدن شرقًا، أو ما يسمى اليوم الحسوة، ومنها من استوطن محافظتي أبين وشبوة، شرق شمال عدن. وأشهر شواهدنا على ذلك حصون عزان المنيعة المطلة على باب المندب، وكذلك حصون وصهاريج في جبال خرز وشوامخها، لم يتمكن كاتب هذه السطور من الوصول إليها بعد (وهذا ما ورد في «تاريخ المستبصر» لابن المجاور، وفي «صفة جزيرة العرب» و«الإكليل» للهمداني، و«هدية الزمن» لأحمد فضل العبدلي، وغيرها من المصادر والمراجع التاريخية).
علمًا بأن قبيلة بني مجيد لم تعد اليوم تحمل المسمى نفسه، ولا تسيطر على الجغرافيا ذاتها؛ إذ أصبحت تسمى قبيلة العلقمة، انتسابًا إلى أحد أبناء مجيد، الذي سمي علقمة. أما الجغرافيا الحالية، فقد انحسرت جغرافية قبيلة العلقمة، وأصبح تواجدها يقتصر على المضاربة السفلى، والمضاربة العليا، وسلسلة جبال مبدار المنيعة، ووادي أتب، والخليج (بفتح الخاء واللام وسكون الياء)، والدمدم (بتضعيف الدال وفتحه وسكون الميم وفتح الدال)، وشريرة العليا، وشريرة السفلى، وصولًا إلى بندح وجبال جردد، وكذلك الطيب والكاذية والخبل والجردهة وجبل نمان، واللصبة، وجبل امدارة.
ولد فارس بني مجيد في الأربعينات من القرن المنصرم، في طور الفياح الشامخ، الذي يطل على عشرات الهكتارات من الأرض الزراعية، التي تسمى ضاربة الفياح، أو أرض العلقمة، والفياح هو الحقل الأكبر في هذه الأرض الزراعية.
عندما شعر الشيخ حسن راجح بدنو أجله، دعا أولاده الذكور الثلاثة، وفي أثناء سرده الوصية عليهم، طلب أكبرهم منه أن يوصي له بالمشيخة، وأن يطلب من القوم الوقوف بجانبه، والتفاني معه لخدمة القبيلة، والحفاظ على مكانتها وسيادتها وقوتها من بعده، وكذلك طلب منه أن يختصه بقطعة خصبة من الأرض الزراعية، فوق ما يرثه؛ لتكون وقفًا بيده ينفق من عائداتها على الفقراء والمساكين وابن السبيل، لكن أوسطهم لم يطلب إلا خنجر والده الشيخ، المرصع بالذهب والفضة.
أحبتي القراء، انتظروني في السردية القادمة…
الحلقة الثانية : فارس بني مجيد 2
قالت العرب: «إن الاسم قسم». وقالت أيضًا: «كاد المسمى أن يخلق». وفارس بني مجيد قد ظفر بالاسم علي، وبذلك يبدو أن الفارس قد ناله الكثير من بركة ذلك الاسم، وعظمته، وهمته، وشجاعته، الأمر الذي يفتقر إليه الكثير من رجال القبيلة، وفتيانها، وفرسانها. لكن نبوغ فروسية الفتى علي قد برزت بوضوح عند احتلاقهم حول أبيهم، وهو في حالة الاحتضار؛ إذ تجسدت في عدم التفاته إلى الزعامة، ولا إلى الأرض، مع أهميتها في ذلك الزمن، بل عمد نحو الظفر بالخنجر، وكأنه كان يرى فيه القوة، ويرى في القوة البقاء، وهذا ما نراه اليوم ماثلًا أمام أعيننا، من لا يملك القوة لا يملك البقاء.
تزوج أخواه من الحضر، ومثلت الزراعة هاجسهما الأول، وتزوج الفارس من المدر، وحصر اهتمامه بالشويهة والبعير، كان يقضي معظم وقته بين إبله وغنمه، في الجبال والسهول والوديان، ظل يكره الأسواق، ولا يحب ارتيادها، كذلك لا يهتم بمجالس القوم ومنتدياتها إلا ما ندر. كان يسرب الليل كله، تارة تستأنس به الوحوش، ويستأنس بها في تارات أخر، وإذا ما عاد إلى منزله، بعد الأسبوع أو أكثر، يعود عند الغروب، ويأوي في أعلى مكان من طور الفياح، بجوار منزله ببضعة أمتار؛ إذ يمكث وحيدًا في أعلى الطور، ينظر في شالي البرق، وإلى الكواكب والنجوم، وبذلك يعلم أين سينزل المطر، وبعد كم من الوقت؟ كذلك يستمع إلى أصوات المشاة ليلًا من البشر والحيوانات، ويستمع إلى نباح الكلب، فيعلم من طرائق النباح إن كان الكلب ينبح آدميًا، أو ينبح وحشًا، أو ينبح كلبًا آخر، وعند صلاة الفجر ينطلق الفارس نحو إبله وغنمه، الأمر الذي يجعلك تحتار في معرفة أوقات نومه.
ظل الفارس يصرف اهتمامه الأكبر نحو عشق بندقيته، وحبها الجنوني، والاهتمام غير الطبيعي بها، وكذلك بخنجره وذخيرته، فضلًا عن هندامه المرتب المنسق البديع على مدار الساعة.
كما عُرف بالحذر الشديد، والانتباه الكبير.
نلتقي أحبتي القراء مع الحلقة الثالثة بإذن الله .
الحلقة الثالثة: فارس بني مجيد 3
كان فارس بني مجيد إذا ما حضر الطعام، يتناول طعامه بكفه اليمين، وكفه الشمال تمسك بالبندقية، وحين يغتسل، يصب الماء بيديه على بدنه، وبصره شاخص في البندقية، يستقبل ضيوفه بيد، والأخرى تمسك بالبندقية، كان قد خصص يومًا في الأسبوع؛ لتخضيب الأجزاء الخشبية من جسم بندقيته بالحناء.
كذلك عُرف بالعفة وعزة النفس، يفضل الموت جوعًا، ولا يعرف أحد أنه في حاجة للمال أو الطعام، وكان كثير الحياء، إنه أكثر حياءً من العذراء في خدرها، وعُرف بأخلاق فاضلة، إذا ما رأى امرأة، يتوارى منها حتى لا تراه، وقد ذكّرتني هذه السمة بالفارس العربي عنترة بن شداد، وجعلت الظن يتسلل إلى نفسي، ويرسم لي هذا المسار المتميز من الأخلاق السامية، الذي ربما التقى فيه الفارسان، واجتمع عليه الأبطال العظماء، ألم يقل عنترة ذات يوم:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي ** حتى يواري جارتي مثواها
كان وجود فارس بني مجيد، يصنع الاطمئنان والسكينة في عقول وقلوب القوم، فإذا ما تأكد أهل قرية الفياح أن الفارس في منزله، تمسي القرية كلها آمنة مطمئنة بوجوده.
من أفعاله التي تجعل القرية في طمأنينة وهدوء، ما قام به في ليلة مظلمة؛ إذ كان أهل القرية في سبات عميق، والفارس يعتلي طور الفياح، يرقب كل حركة، ويستمع لكل صوت، حتى تدافع نسمات الهواء، وحركة أغصان الأشجار، لا تغفل عن حواسه، وبعد منتصف الليل، هدأت الرياح، وصمتت الكلاب عن النباح، والديكة عن الصياح، فتسلل الذئب إلى حظيرة أغنام لأخيه، فظفر بشاة سمينة.
والذئب عادة ما يأخذ يد الشاة في اللحظات الأولى ويضعها على رقبته، ثم يجري بها إلى المسافة التي يأمن فيها، ويدرك أنه قد ظفر بفريسته، فيبطش بها عند ذلك، وانطلق بها مسرعًا والكلاب تنبح وتجري وراءه.
لكن الفارس كان يسمع دبيب النمل؛ إذ لم يتأخر في إطلاق عيار واحد من بندقيته، ثم نادى أخاه قائلًا: «امشِ غربًا لمسافة مائة متر تقريبًا، وسوف تجد الذئب صريعًا أمامك، والشاة بخير». عندها ذهل الأخ من ذلك المشهد وقال: «لله درك يا أخي، ما أعظمك من فارس!».
الحلقة الرابعة :فارس بني مجيد (4)
كان منزل فارس بني مجيد مزارًا للمظلومين والمستضعفين، تجده ينتصر لهذا، ويستعيد حق هذا، ويدافع عن هذا، وهكذا دواليك.
وعندما بدأت السلطة بسط نفوذها في البلدة، قررت التخلص العاجل من المشايخ، والفرسان، وأرباب الرأي، ومن يستطيعون الصدع بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وكذلك العلماء، والتجار، والرعية؛ إذ صادرت الدكاكين، والأراضي الزراعية، ونشرت الرذيلة، والمشروبات الروحية. فهجّرت الكثير، وذبحت مثلهم، ومثلهم ملأت بهم السجون، وعممت إهدار دم الفارس، فعمد إلى سلسلة جبال بني مجيد، وقال: «لعل في هذه الجبال متسعًا للعيش الكريم أنا وأهلي وإبلي وغنمي، ومن يريد الحفاظ على كرامته من بني مجيد وغيرهم من أحرار البلدة».
وظل يعيش في تلك الجبال الوعرة، يكابد الحياة القاسية، لأكثر من سنتين، يقتات مما تجود عليه به بندقيته؛ كالطيور، والأوبار الصخرية، والجنادب، وغيرها من الصيد الحلال، فضلًا عما يطعم من إبله وغنمه.
في هذه الأثناء، زار أحد مسؤولي المحافظة البلدة، فقدم له مدير الأمن الداخلي في البلدة، تقريرًا مفصلًا عن أوضاع البلدة. أهم ما جاء فيه: «لقد نفذنا توجيهاتكم وضربنا بيد من حديد، فهرب بعض الرجعيين، والإمبرياليين، والأرستقراطيين إلى خارج الحدود، وأمسكنا بمثلهم وتخلصنا منهم إلى الأبد، وأودعنا جمعًا غفيرًا منهم في سجون السلطة، ولم يتبقَّ إلا فارس بني مجيد، إذ أفلت من قبضة السلطة، وظل في الجوار، يتنقل بين سلسلة الجبال الشمالية للبلدة، لا هو الذي سلّم نفسه لأمن السلطة، ولا هو الذي ارتحل إلى حدود القطر المجاور».
انتظرونا أيها الأحبة في الحلقة القادمة بإذن الله.
الحلقة الخامسة:فارس بني مجيد 5
غضب مسؤول المحافظة غضبًا شديدًا، وأطلق سيلًا من الشتائم، والألفاظ النابية، وقال: «لولا أن وقت زيارتي لكم قصير جدًا، لذهبت بنفسي إلى جبال بني مجيد، ولأتيت بهذا الفارس المزعوم، اقتاده من أذنه كالشاة».
وهنا رد مدير أمن البلدة بالقول: «لا تغضب سيدي، فأنا سوف أكلف من أفراد أمننا الشجعان، من يتابع أخباره، ويترصد له حتى يقع في أيدينا».
«اسمع يا مدير، نريد حسم الأمر في أقرب وقت ممكن، قبل أن تقوى شوكته، ويكثر أنصاره». قال المدير: «أمرك سيدي، ولكنك لا تعرف شجاعة هذا الفارس، وقدراته القتالية، وفنونه الاحترافية، في اليقظة وسرعة التعامل مع البندقية، في الوقت الذي لا يوجد في أفرادنا، من يتمتع بتلك القدرات، والفنون القتالية».
في هذه الأثناء، صمت المسؤول قليلًا، ثم عاد يتحدث إلى المدير: «أنا سوف أضع جائزة مالية مغرية، قبل أن أنطلق نحو المحافظة، لمن يستطيع تتبعه من البدو الرحل، ويعرف كوخه في تلك الجبال، الذي يقيل ويمسي فيه، وإذا ما تأكد لك ذلك جيدًا، أبلغني بوساطة جهاز اللاسلكي، وأنا سأبعث إليك على الفور، قائدًا من قيادات أمن المحافظة، الذين لا يهابون الموت، يتولى قيادة المجموعة، التي ستقوم بتنفيذ المهمة، تفاجئ ذلك المتمرد في كوخه، وتقتله شر قتلة». قال المدير: «هو ذاك سيدي، وستجدني عند حسن ظنك».
وفي يوم صيفي ساخن، شديد الرياح، كانت أشجار نخيل ضاربة الفياح، الطينية السامقة، تارة يلتقين بسعفهن وأعذاقهن، وأخرى بأجسامهن النحيفة، الممدودة نحو السماء، بفعل عاصفة الرياح، وكأنهن أتراب من الصبايا، يعبثن مع بعضهن.
عند ذلك انطلقنا نحن الأطفال، يحمل كل واحد منا وعاءً مصنوعًا من عذق النخيل، نلتقط فيه حبيبات البلح، التي لما تنضج بعد، لكنها تتساقط بفعل الرياح القوية؛ لنطعم أغنامنا منها.
لكن ما إن بدأنا الانتشار بين شجيرات النخيل، حتى وقعت أعيننا على عشرة عساكر، مدججين بالسلاح، يركضون باتجاه سلسلة جبال بني مجيد. تسمّرنا في أماكننا، وأعيننا شاخصة نحو ظهورهم، حتى اختفوا خلف التباب، المؤدية إلى جبال بني مجيد، ما جعلنا نعود نحو أمهاتنا خائفين، حدثناهن بما رأينا. فمنهن من لم تعر الأمر شيئًا من الاهتمام، ومنهن من قالت: «ربما تأكد لهم وجود الفارس في مكان ما، ويريدون الهجوم عليه».
كان الفارس يقضي قيلولته، في صخرته، المجوفة من الداخل، ربة المدخل الواحد، المستور بأغصان الأشجار، الذي لا يستطيع الولوج منه، إلا وظهره منحنٍ. شكّل ثمانية من العساكر طوقًا حول الصخرة، بدائرة نصف قطرها مائة متر تقريبًا، وصعد القائد، يرافقه واحد من العساكر، سطح الصخرة، ظانين أن الفارس يغطّ بهجعة القيلولة، لكن الفارس شعر بحركتهم، ورأى ظل أحدهم قد تسلل نحو تلك الأغصان، التي تستر المدخل، فصرخ بصوته: «من الذي على ظهر الصخرة؟».
في هذه الأثناء، وثب القائد، ومعه مرافقه، حتى وقعا أمام مدخل الصخرة، قائلًا: «ها نحن أمن البلدة أيها المتمرد»، وإذا بالفارس مصوّبًا بندقيته نحوهما، ويده على الزناد.
قال القائد: «لماذا لم تسلم نفسك لإدارة أمن البلدة؟».
قال الفارس: «وما عندي لأمن البلدة حتى أسلم نفسي؟».
قال القائد: «انتهت أيام كنتم أسياد البلدة وحكامها، واليوم يجب أن يحتكم الجميع للسلطة، وكذلك يجب أن تعرف إدارة أمن البلدة، كل صغيرة وكبيرة عن أي مواطن في هذه البلدة».
قال الفارس: «لكنني أرعى إبلي وغنمي، التي أقتات منها، وأنفق على من أعول، فكيف تطلب مني الذهاب كل يوم إلى إدارة الأمن؟».
قال القائد: «يجب أن تثبت لإدارة أمن البلدة، أنك مواطن صالح بحضورك اليومي، وارتـيادك لأسواق البلدة».
قال الفارس: «خيرًا إن شاء الله».
قال القائد: «ولكن يجب أن ترافقنا الآن إلى إدارة الأمن».
قال الفارس: «اذهب أنت الآن، وأنا سوف أخصص لكم زيارة في الوقت المناسب».
وهنا صوّب القائد بندقيته نحو الفارس، وأطلق النار، وظل الفارس من جانبه يقاومهم، واستمر إطلاق النار لأكثر من ساعة، وتمكن الفارس من الخروج من بطن الصخرة، ولم يكن يعلم أن حول الصخرة طوقًا آخر من العساكر، وانهال الرصاص نحوه، فأصيب إصابة قاتلة. فأسند ظهره لصخرة، وبندقيته مصوبة نحو العساكر، الذين يطلقون النار عليه، فظنوا أنه ما زال بخير، الأمر الذي جعلهم يخفون أنفسهم، خلف الأحجار والأشجار حتى الساعة الثامنة ليلًا، عند ذلك فقط أدركوا أن الفارس قد فارق الحياة.
في هذه الأثناء، تكتم مدير أمن البلدة على الجريمة، وانطلق يعتقل كل من له صلة قرابة بالفارس، أو ينتسب إلى قبيلته، بعد أن طلب التعزيز من المحافظة عبر أثير اللاسلكي، فعززوه بكتيبة من العساكر، وصلت إلى البلدة في منتصف الليل، وانتشرت حول جثمان الفارس؛ لتمنع القوم من مواراة جثمانه في الثرى، فضلًا عن ذبح ثمانية من أقاربه، ونسف منازلهم بالمتفجرات، وبقي جثمان الفارس تحت الحراسة المشددة، حتى أكلته الكلاب والوحوش.
وبعد مرور كثير من السنين، التقيت بأحد أصدقاء الفارس، فقال: «لقد تحققت نبوءة الفارس».
قلت: «كيف؟».
قال: «لقد أسرّني ذات يوم؛ إذ قال: أنا لن أموت ميتة طبيعية، بل سوف يقتلني طغاة أمن البلدة، ويمنعون مواراة جثماني في الثرى، حتى تأكلني الكلاب والوحوش».
اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.









