ثبات القائد يصنع ثبات الجبهة.. قصة موقع قحام والشهيد القائد عبده نعمان الزريقي

مقال تحليلي عن أثر الصدمة على الجبهات ودور القائد في صناعة النصر
في الحروب لا تهزم الجيوش بالسلاح فقط، بل تُهزم بالصدمة. والصدمة أخطر من الرصاصة، لأن الرصاصة تقتل فرداً، بينما الصدمة تقتل جبهة كاملة.
ما حدث في حيفان – أغسطس 2016 – هو النموذج الأوضح لهذا.
أولاً: صدمة الانسحاب التي كسرت الثقة
بدأت القصة بمحاولة التفاف للقوات الجنوبية – الصبيحة ثم دخول اللواء 35 لاحقاً – على الحوثي في حيفان.
أبرز الأخطاء التي أدت إلى الانسحاب:
- عدم وجود مقاتلين من نفس مناطق حيفان، حيث نسبة الذين انتموا للجيش قليلة جداً.
- سوء معاملة اشتكى منها أبناء المنطقة من تصرفات القوات الجنوبية.
- لاحقاً دخلت قوات من اللواء 35 ولم يكن معهم سلاح ثقيل، ولكن كان بيد الصبيحة، فصار في الجبهة قائدان وقوتان لا يوجد بينهما تنسيق كافٍ.
- عدم انتظام الدعم والمصروف، سبب تسربات من الجبهة وغياب القائد عن التواجد فيها.
بدأ الأمر بسحب الصبيحة السلاح الثقيل دون تنسيق أو سبب، فقرر المقاتلون المنتمون للواء 35، والذين 90% منهم من مديرية الشمايتين، الانسحاب إلى التربة، في ظل غياب قائد الجبهة ذلك الوقت.
هذا الانسحاب خلق فراغاً قاتلاً، تقدم فيه الحوثي بسرعة، لكن الأخطر منه كان الأثر النفسي. أبناء الأحكوم والأثاور والأعمور في حيفان انصدموا. شعروا أنهم تُركوا وحدهم، فتولدت لديهم قناعة دفاعية خاطئة: “وجود أي مقاومة في قرانا سيجلب انتقام الحوثي علينا”.
لدرجة أنهم رفضوا تمركز المقاومة، ومنعوا عنها حتى الماء. وهذا ما حدث مع الشهيد عبده نعمان الزريقي عندما حاول إنشاء مواقع متقدمة تحمي هيجة العبد، أهم شريان لتعز، في وادي الأحكوم.

ثانياً: الخذلان في الأحكوم وتكرار الصدمة
حاول الشهيد عبده نعمان أن يوقف التقدم في وادي الأحكوم بمساعدة مخلصين من أبناء المنطقة، مثل الفندم عبد الحكيم الحكيمي وأخيه الشهيد جمال الحكيمي والشيخ منصور الحكيمي وآخرين. لكنه تُرك وحيداً مرة أخرى في الوادي، ولولا لطف الله لحوصر وقُتل، فعاد وتمركز في قحام.
وهنا تكررت نفس العقلية، قام شيخ الأكبوش المطلة على هيجة العبد برفض تواجد أي قوات مسلحة بحجة أن الحوثي “سيستمر ولن يتوقف وسيأخذ هيجة العبد ولن يبقي بقرانا”. سمعته بنفسي يقول ذلك لقائد القطاع العسكري أمين الأكحلي هاتفياً.
وكانت النهاية عبرة: صودر بيته واستُخدم موقعاً عسكرياً للحوثي، وأُجبر هو نفسه أن يُسعف جرحى الحوثي فوق سيارته صاغراً ذليلاً.
ثالثاً: قحام.. القرية التي قررت مصير الحجرية
عندما اقترب الحوثي من هيجة العبد، احتشدت قوات شعبية كثيرة في قحام. قحام هي آخر قرية في عزلة الأحكوم، تقع في مفترق استراتيجي بين المداحج / الشمايتين – والأكاحلة / المقاطرة – مطلة على هيجة العبد ووادي الأحكوم والأهجوم التابعة للمواسط.
اجتمع هناك خليط غير متجانس: الفارون من حيفان، وأفراد قطاع الحجرية بقيادة العقيد أمين الأكحلي، والمقاومة الشعبية بقيادة عبده نعمان. بعضهم أفراد لم يخوضوا معركة في حياتهم، ومجاميع لا يعرفون بعضاً.
في ذلك اليوم نزل العقيد أمين الأكحلي لاستطلاع تقدم الحوثي، فأصيب بطلقة قناص في يده، وكان مرهقاً من سهر يومين، فانسحب لينام.
نزل بعده شباب من أبناء قحام والمداحج والأكاحلة والأحكوم الذين قاتلوا بحيفان لتأمين موقع الماورة. في نفس الوقت كان الحوثي يرسل استطلاعاً، أغلبهم من أبناء إب، لنفس المنطقة. والتقى الطرفان مغرباً عند كهف في الجبال.
دخل شباب المقاومة الكهف معتقدين أن من فيه زملاء لهم، والحوثيون اعتقدوا نفس الشيء، لأن الجميع غرباء ولا يعرفون بعضهم ويلبسون نفس اللبس المدني. ومن زلة لسان اكتشفوا الحقيقة، وبدأت معركة من المسافة صفر، بالأيدي والسلاح. استشهد اثنان من المقاومة وجرح آخرون، وقُتل عدد كبير من الحوثيين حينها بالظلام، نتيجة سقوطهم من المرتفعات الشاهقة.
رابعاً: لحظة الانهيار ولحظة الثبات
بعد الاشتباك حصل ارتباك كبير. ظنت المقاومة أن الحوثي التف عليهم وأنهم محاصرون، فانسحبوا بشكل عشوائي ومرتبك، أغلبهم له يومان بدون نوم. ولكن لم ينسحبوا إلى موقع قحام الحصين الذي لا يوجد طريق سيارات يصعد إليه من جهة الأحكوم، ليثبتوا الموقع، ولكن كرروا خطأ انسحاب حيفان.
الانسحاب بث الرعب في أهالي قحام الذين ظنوا أنهم سيُعاقبون لاستضافتهم المقاومة. وبدأوا يفكرون بطرد البقية القليلة التي باعتقادهم كانت لا تكفي لإيقاف الحوثي، وبنفس الوقت ستسبب لهم عواقب وخيمة.
هنا يظهر دور القائد. قرر الشهيد عبده نعمان الزريقي ليقف موقفاً تاريخياً: “سأبقى في قحام حتى لو كان الثمن حياتي، لن أترك هذا الموقع”. فقرر أفراده – زملاء كفاحه – أن يبقوا معه ولا يتركوه.
وكنت موجوداً ذلك اليوم، أحاول منع المنسحبين، أعرض عليهم القات المجاني والبطانيات، فقط ليناموا تلك الليلة في قحام، لأنني كنت أعلم أن المتحوثين في المنطقة ينتظرون أي إشارة انسحاب ليعلنوا تمردهم ويمهدوا للحوثي ليسيطروا على الأرض ويمهدوا لدخول الحوثي.
لكن بقاء عبده نعمان تلك الليلة وحدها هو من أنقذ الحجرية. فقد وجده خالي الشهيد أحمد الديماني عاقل قرية قحام موجوداً بالموقع، فهدأت نفسه واطمأن قلبه، وبدل ما يخرجهم حاول يخدمهم بما تيسر ليبقوا صامدين. ثم وصلت تعزيزات شعبية من ذبحان والتربة ومناطق أخرى، ليزداد الاطمئنان أكثر.
نحن لم نكن نعلم أن الحوثي نفسه هرب أكثر منا! هو أيضاً اعتقد أن المقاومة التفت عليه، فترك جثث قتلاه وهرب بعيداً. لكن لو انسحبنا من قحام تلك الليلة، لأبلغ عملاء الحوثي الحوثي بأن المنطقة سقطت، ولأمّنوا دخوله مستغلين حالة الذعر.
بثبات القائد ذلك اليوم، ثبتت الجبهة لعشر سنوات حتى اليوم.
الخلاصة والعبرة
- المعدات الثقيلة والطيران والمال ليست شرط النصر. الثبات هو الشرط.
- القائد المهزوز يهزم جيشاً كاملاً، والقائد الثابت يصنع من المرعوبين أسوداً. وكما يقال: “أسد يقود ألف نعجة خير من نعجة تقود ألف أسد”.
- الصدمة النفسية أخطر عتاد وعدة العدو، وعلاجها ليس بالخطب، بل بقرار ثبات واحد في اللحظة الحرجة.
كنت أقول للشهيد عبده نعمان لو لم تفعل إلا هذا الموقف لكفاك لتدخل صفحة أبطال الجمهورية، وأبطال الحجرية.
ابحثوا عن الشجعان وأعطوهم القيادة، ولا تبحثوا عن شهادات أو رتب أو نسب أو أعمار.
اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.











