من الذاكرة الوطنية من شهداء الاستقلال الشهيد محمد عبدالله سيف القدسي 1939-1967

بقلم : سلطان أحمد محمد
المقدمة
تُعد سيرة الرجال الذين صنعوا مجد الأوطان بدمائهم وتضحياتهم ذاكرةً حيةً لا تموت، ومنارةً تهتدي بها الأجيال في دروب البناء والتحرير. ومن بين هؤلاء الرجال يبرز اسم المناضل محمد عبدالله سيف القدسي، أحد أبناء تعز الأوفياء الذين خرجوا من رحم الجبال حاملين هم الوطن في قلوبهم، ليصيروا وقودًا لثورةٍ غيرت وجه جنوب اليمن.
لم يكن الراحل مجرد عامل أو نقابي عادي، بل كان نموذجًا للإنسان الثائر الذي جمع بين الانضباط المهني في شركة كالتكس، والعمل النقابي المنظم ضمن النقابات الست في عدن، ثم الانتقال إلى الميدان الأصعب حين رأى أن تحرير الوطن لا يتم إلا بالكفاح المسلح. فسطر بدمه فصلًا من فصول البطولة في عام 1967، ليبقى اسمه خالدًا ضمن قافلة شهداء الاستقلال.
السيرة الذاتية للشهيد
محمد عبدالله سيف القدسي، من مواليد 1939م بوادي العجب، قدس، محافظة تعز. تلقى تعليمه الأولي على يد الفقيه شائف طربوش.
ولما بلغ سن الشباب واشتد ساعده غادر مسقط رأسه إلى مدينة عدن، تلك المدينة التي كانت تزخر بالحياة الاقتصادية، والتي كانت توفر فرص العمل للقادمين إليها من مشارق اليمن ومغاربها.
وهناك في عدن، المدينة الصاخبة، حيث الحركة الدؤوبة، وإيقاعات الحياة العصرية المتسارعة، والنشاط الاقتصادي والفكري والأدبي والثوري، خلقت لدى الشاب نزعة ثورية تسكن ضميره ووجدانه. وكانت الحالة الثورية تزداد توقدًا كلما قرأ الصحف الصادرة التي تحدثت عن الثورة والكفاح المسلح، ودور النقابات التي ذاع صيتها بين العمال والجماهير في عدن وضواحيها وصولًا إلى ربوع اليمن.
تلك الإرهاصات خلقت لدى الشاب القادم من خلف الجبال الشاهقة حالة من الثورية الكامنة. فسعى فور وصوله للحصول على عمل لدى شركة كالتكس الأمريكية، التي كانت تمتلك علامة تجارية عالمية، وكانت تعمل في تسويق النفط والوقود من امتيازات الشركة في كل من البحرين والسعودية في الأسواق الآسيوية.
عمل الشاب محمد القدسي لدى الشركة، فكان متميزًا يؤدي ما يُوكَل إليه من مهام بدقة متناهية. ولذا كرمته الشركة بمنحه وسامين ذهبيين تقديرًا لكفاءته وقدرته على تجاوز الصعاب أثناء تنفيذ الأعمال.
كان من مؤسسي النقابة العامة لعمال البترول، فكان يحمل الرقم 41 في عضوية النقابة. وكان له نشاط نقابي متميز، فبرز اسمه في وقت قياسي فصار عضوًا في النقابات الست: نقابة عمال الميناء، نقابة عمال المصافي، نقابة عمال الكهرباء، نقابة عمال البلدية، نقابة عمال المواصلات، ونقابة عمال الطباعة والصحافة. وكانت هذه النقابات لها دور فاعل في استقلال جنوب اليمن.
ولم يكتفِ الشاب التواق إلى تحرير الوطن بالعمل النقابي، الذي كان يرى أن الخلاص من المستعمر من خلال العمل المدني طريق بعيد المدى.
كان يرى أن الكفاح المسلح هو الذي يوجع المستعمر، وأن دول العالم لم تتحر إلا من خلال حركات التحرير الوطنية. لذا انضم الشاب إلى عضوية التنظيم الشعبي للقوى الثورية، الجناح المسلح لجبهة تحرير جنوب اليمن.
وكان يقوم مع رفقاء الكفاح المسلح بتنفيذ عمليات فدائية خلف خطوط المستعمر. وقد استُشهد وهو يؤدي واجبه الوطني من أجل تحرير واستقلال جنوب اليمن، مقبلًا غير مدبر، في العام 1967 في جولة كالتكس. وأُذيع اسمه ضمن قافلة من الشهداء.
تميز شهيدنا بالبساطة والشجاعة والكرم والجود ومساعدة الفقراء والمحتاجين.
لقد كان الرجل ولا يزال معلمًا بعمله الوطني والإنساني.
نسأل الله له الرحمة والغفران، وأن يسكنه الله الدرجات العُلى في الجنة مع الأنبياء والشهداء والأتقياء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
المصادر والوثائق
اعتمدت هذه السيرة على وثائق أصلية وشهادات شفهية مباشرة، شملت:
- بطاقة عضوية النقابة العامة لعمال البترول رقم 41 باسم محمد عبدالله سيف قدسي.
- شهادات شفوية ومكتوبة بخط يد أهل الشهيد ورفاقه من المناضلين الذين عايشوه في العمل النقابي والكفاح المسلح.
اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.









