فلسفة بناء الدولة العادلة: من النقد إلى التربية السياسية

بجاش الزريقي
تشهد منطقتنا العربية – واليمن في القلب منها – مخاضًا عسيرًا تحاول فيه المجتمعات عبور “المضيق الضيق” بين الانهيار وإمكانية النهوض. وفي لحظات كهذه يصبح السؤال الأكبر: كيف نبني دولة عادلة قادرة على الاستمرار؟ إن الجواب لا يأتي من القرارات الآنية وحدها، بل من تأسيس رؤية فلسفية للتربية السياسية تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمواطنة، وبين الحقيقة والمصلحة العامة.
مرتكزات البناء العادل
يمكن حصر أهم المدخلات الضرورية لبناء الدولة في جملة من المبادئ، هي في جوهرها قيم إنسانية وسياسية قبل أن تكون مجرد توصيات إدارية:
- رد الاعتبار للتضحيات: فالمقاومون الذين دافعوا عن المجتمع هم ركيزة أخلاقية للعدالة، وإغفال حقوقهم يُقوِّض الثقة في شرعية الدولة.
- الكفاءة معيارًا أولاً: شغل المواقع العامة – خصوصًا تلك التي تحتك بالمواطنين – ينبغي أن يكون قائمًا على الكفاءة لا على المحسوبية أو الولاءات الضيقة.
- إقصاء الفساد والعنف: الدولة التي تسمح لأصحاب السوابق والسلوك العدواني بالتحكم في مفاصلها تعرّض نفسها لفقدان الشرعية الاجتماعية.
- العمل الاستخباراتي الواعي: الأمن الوطني يتطلب عناصر رصينة وذات خبرة عالية، لأن أي خلل في هذا المجال ينعكس مباشرة على كيان الدولة.
- ثقافة الإصغاء والتواضع: المسؤول الذي يتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة يكرر أخطاء الاستبداد؛ بينما القائد العادل هو من يصغي إلى المفكرين والنقاد ليستنير بوعي المجتمع.
- النقد كقيمة أخلاقية: النقد الموضوعي ليس عداءً بل مسؤولية أخلاقية، فيما النقد المغرض خيانة للوعي العام وتشويه لمسار الإصلاح.
- التكامل بين الدولة والمجتمع: العلاقة بين الطرفين جدلية تكاملية؛ فلا قوة لمجتمع بلا مؤسسات، ولا شرعية لمؤسسات بلا دعم شعبي.
- أولوية المصلحة الوطنية: الحقيقة والمصلحة العليا للوطن يجب أن تعلو على كل ولاء قبلي أو حزبي أو شخصي.
نحو فلسفة للتربية السياسية
هذه المبادئ ليست مجرد توصيات إدارية أو سياسية؛ إنها تعبير عن فلسفة في التربية السياسية، تقوم على غرس قيم العدالة والصدق والكفاءة في وعي الأفراد والجماعات. فالتربية السياسية الحقة لا تُعنى فقط بإدارة الصراع على السلطة، بل بتربية المواطن على أن الوطن أوسع من الانتماءات الصغيرة، وأن الدولة العادلة لا تُبنى إلا بالصدق والإخلاص وتقديم المصلحة العامة.
خاتمة
إن عبور المضيق الضيق يتطلب أكثر من إجراءات مؤقتة؛ يحتاج إلى مصداقية جماعية تعيد تعريف معنى السلطة باعتبارها تكليفًا لا تشريفًا، ورسالة لا غنيمة. هذه هي الفلسفة التي إن ترسخت في وعي الناس وقادتهم، تحوّلت إلى طاقة نهضة، لا إلى جولة جديدة في حلقة الأزمات.
بجاش الزريقي
اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.









