المقاطرة نيوز

من أضابير الذاكرةدهمش .. جُرحُ (الحمدي) الصحيح!/أنور العنسي

المقاطرة نيوز | من أضابير الذاكرةدهمش .. جُرحُ (الحمدي) الصحيح!/أنور العنسي
أنور العنسي

من أضابير الذاكرة
دهمش .. جُرحُ (الحمدي) الصحيح!

أنور العنسي

خالدٌ كأحرار عصره.. الرجال من صنفه نادرون في صدقهم دون خشيةٍ من لومة لائم، وفي شجاعتهم عندما يكون الإقدام ضرورة، وفي حبهم للعمل واحترامهم لأنفسهم وللآخرين، وذلك كأرفع القيم والمثل التي بدونها يستحيل أن يكون الإنسان إنساناً.

أتحدث هنا عن الأستاذ (أحمد قاسم دهمش) ذلك السياسي النموذج في صلابة مواقفه وطهارة ضميره ونظافة يده.. إنه الصحفي السياسي أو السياسي الصحفي، الناجي الوحيد من الإعدام بسيف (الوشاحِ) الغشوم في زمن الإمامة …

لم تحالفني الأقدار للالتحاق بالعمل في مجال الإعلام عندما تولى حقيبة وزارته إلاَّ بعد أعوامٍ من تركه لهذا المنصب الذي تبوأه لخمس مرات متتالية، ولمرة سادسة في فترةٍ لاحقة، لكنني عرفته أكثر خارج الوزارة في لقاءات قد لا يصدق القارئ أنها جرت معه في الشارع باستثناء مرة أو مرتين جلست معه فيهما في أحد الأماكن، ما عدا ذلك كان مشاوير قطعتها مسايراً له في شوارع صنعاء مشياً على الأقدام، وذلك كلما كنت التقيه صدفة وهو يسير إلى أيامه وسنواته الاخيرة دون وسيلة نقل أو مرافقين أو حراسة.

عرفت عنه الكثير من الصفات والقيم والمواقف، وذلك أكثر بعد التحاقي بالعمل في الإعلام عندما كان لا يحلو الكلام إلاَّ عنه ، ولا يتذكر الزملاء من أخلاق من تعاقبوا على وزارة الإعلام من هو أفضل منه.

دهمش في مواجهة الحمدي
تحرر (دهمش) من أعباء الوظيفة العامة بعد أن تقلَّب في سلسلة طويلة من المواقع والمناصب الرسمية المهمة، لكن خاتمة عمله في الدولة والحكومة كانت عاصفةً ومدويةً عندما كتب رسالة باستقالته أرسلها إلى صديقه الراحل الرئيس إبراهيم الحمدي بما بدا أنها كانت بيان انقلابٍ على إبراهيم وليست مجرد استقالة.

كنت شاباً في مقتبل عمري عندما علمت أن إبراهيم حزن كثيراً لخذلان من كان يعتبره أخاً وسنداً له، في ظروف أحوج ماكان الحمدي إليه.
كم تمنيت في ذلك الوقت أن يستجيب دهمش لمطالب الكثير من زملائه وتلامذته للعودة عن استقالته أو على الأقل للاعتذار عنها بعد أن تداولها خصوم ومنافسو إبراهيم بكل شماتةٍ وخبث، وأصبحت بعض عباراتها المجتزأة من سياقها تتردد على ألسنتهم، وتلوكها أفواههم ليل نهار سيما تلك التي خاطب فيها دهمش إبراهيم بقوله:”كنا نؤمل أن نبني في عهدك الدولة اليمنية المنتظرة ذات المؤسسات الديمقراطية الشعبية، وأن تُحقق في عهدك وحدة اليمن، وكنا نعتقد أنك فتى اليمن وزعيمها (سيف بن ذي يزن) ولكن لخيبة الأمل إسترخَيتَ واستمعت إلى الأصوات الوصولية وتحولت إلى سيفٍ من خشب”!

لكن من اسكرتهم النشوة بتلك العبارات لم يأخذوا بعين الاعتبار قول دهمش لإبراهيم في مطلع رسالته:”أرجو قبول استقالتي فأنا لا أرضى لنفسي أن أكون مع حكم مهلهل يخضع للسعودية في كل صغيرة وكبيرة ، ووَقَع تحت تأثيرات استطاعت أن تصور له حتمية النهاية على أيدي المشائخ التي تمسك بخيوطهم ، وأن بيدها ، أي السعودية، ضمانة الاستمرارية لهذا الحكم المهلهل إن هو ظل خاضعاً لها وفي وضعه الضعيف دون أن يعمد إلى بناء الدولة الموعودة”.

غير أن دهمش الذي شخَّص في رسالته الداء والدواء كان قد مضى إلى سبيل حاله في قريته (اسناف) في مديرية (خولان الطيال) بمحافظة صنعاء، فهو نوعْ نادرٌ من القادة (الرجال) الذين يستقيلون ولا يُقالون.

آثر البقاء في قريته يقرأ ويخلو إلى نفسه، رافضاً أي فكرة للتآمر على صديقه إلى جانب من تآمروا عليه وخانوه وقتلوه في نهاية المطاف.

لم يعد دهمش إلى صنعاء إلاَّ لماماً بعد سنوات من اغتيال إبراهيم وصعود (علي عبدالله صالح) إلى رئاسة البلاد ، ولم تكن زياراته لصنعاء سوى لشؤونٍ خاصة به، كان من بينها تلك المرة التي قرر فيها بيع منزله المحاذي للزاوية الشمالية الشرقية لكلية الآداب بجامعة صنعاء حيث كنت أدرس.
في إحدى المصادفات التي التقيته هناك سألته إن كان يتابع في قريته الأخبار ووسائل الاعلام فقال “كلاّ ، لا تصلني الصحف ولا أملك تلفازاً في القرية”.
لم أكن لأملك القدرة على شراء جهاز تليفزيون وإهدائه إليه ، لكن صديقاً حدثته بالأمر تطوع بتأمين جهاز وإرساله مع مهندس إلى قرية دهمش لتجهيزه وإعداده للمشاهدة.

وفي لقاء تال أخبرني أنه لم يستخدم الجهاز ، وأن لديه من الهموم الخاصة ما يشغله.

وعندما أخذ ينفتح عليَّ أكثر في الحديث، تجرأت على سؤاله إن كان يشعر بأي قدر من تأنيب الضمير لتخليه عن الحمدي في وقت كان يتكالب عليه المناوئون من كل حدب وصوب ، التفت إليَّ قائلاً :”حزنتُ لمقتل ابراهيم مثل كل يمني، لكن ضميري لم يؤنبني على استقالتي” فسألته هل كان لإبراهيم من الأخطاء والرضوخ لمطالب السعودية وحلفائها ما يجعلك تتخذ مثل ذلك الموقف بدلاً من إعانته، فكانت إجابته :”كلنا بشر ، نخطئ ونُصيب، ولاشك أن نوايا ابراهيم كانت طيبة، لكن المشكلة أنه تسرَّع في القيام بأمور وتأخر في القيام بأخرى” فقلت له أليست السياسة هي فن الممكن؟ لكنه استأنف السير وودعني على أمل استئناف الحديث في لقاء قادم لكن ذلك اللقاء للأسف لم يتم.
كان هذا الحوار أهم ما دوَّنته في أوراقي القديمة عن ذكرياتي مع الرجل ، غير أن حكايته مع إبراهيم ظلت تشغل بالي لسنوات، وكانت قناعتي أن تلك الاستقالة/الصدمة وضعت حداً فاصلاً بين الرجلين، فلا الحمدي برأ من الجرح الذي تسببت فيه استقالة دهمش حتى ولو عدل عنها واعتذر لصديقه، ولا أن فكرة التراجع والعدول كانت واردة لدى رجلٍ مثل دهمش.. استقالة لم يُقدم عليها إلاَّ بعد أن تيقَّن أنه لم يرتكب خطأً يوجب عليه الاعتذار .

وعندما عدت للتأمل في تجربته الطويلة والعميقة في الحياة حزنت ألاَّ تتكلل تلك التجربة بما يليق بها من النجاح ، والاَّ ينتهي نضاله السياسي الطويل بخاتمةٍ أفضل أو أخف دراميةٍ على الأقل.

أكثر من ان صديقي الراحل (حسن اللوزي) كان وزيراً للإعلام وتلميذاً وفياً ومحباً لدهمش فقد كان اللوزي، الشاعر والأديب الذي تنتمي عائلته إلى (جبل اللوز) بالقرب من قرية دهمش (اسناف) في خولان الطبال، كان أستاذاً وزميلاً لي، وقد حاولت أن أعرف منه بوصفه أول من أطلعه دهمش على رسالته، ما إذا كانت الاستقالة التي قرأها هي نفسها التي تم تداولها ، فقال لي إن “نص الرسالة طويل ، ويتضمن أيضاً نصحاً لإبراهيم ومقترحات لإبراهيم بما ينبغي عليه عمله قبل فوات الأوان” وكلما كنت ألح على اللوزي بسؤالي عن كيفية تسرب نص الرسالة، حيث لا أعتقد أن إبراهيم قد سمح بنشرها ، لكن حسن كان يلوذ دائماً بالصمت، فاللوزي نفسه كان محط ثقة دهمش والحمدي في آنٍ معاً، وقد آثر تأجيل الكتابة عن ذلك إلى حين.

كتب حسن بعد رحيل دهمش أنه كان:”واحداً من الذين أحرِصُ على تقبيله على رأسه عندما ألتقي به محبة وإجلالاً واحتراماً ولابد أن أكتب ذات يوم عن رسالة الحب والمناشدة والتحذير التي رفعها لخالد الذكر الشهيد إبراهيم الحمدي رئيس مجلس القيادة وكنت أنا أول من قرأها في مكتبه في وزارة الشؤن الإجتماعية والعمل وكان يريدني أن أوصلها للرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي غير أنني إعتذرت بأدب وما كنت أريده أن يفعلها وظللت وقتا طويلا أترجاه أن يصرف النظر عنها أو يؤجلها، ولكنه أصر ومن ثم إستدعى الأخ محمد النزيلي يرحمه الله وسلمها له ليقوم بالمهمة ويوصل الرسالة إلى الشهيد إبراهيم الحمدي”.
ويضيف اللوزي:” كنت أنا أول من بكي عليه (الحمدي) بكاءا مُرّاً بعد أن صدمتُ بنبأ إستشهاده و قصص أخرى لا بد أن تحكى للأجيال” .
غير أن حسن توفي بعد ذلك ولا أدري إن كان كتب شهادته لتلك الأجيال، غير أنه حدثني في جلسة طويلة في مقهى بفندق شيراتون القاهرة 23 يوليو/تمور 2020 عن تفاصيل أخفاها عني طوال عقود من صداقتنا حول قصة استدعائه ليلة مقتل الحمدي ليكتب بيان نعي في اغتياله، وهو ما سأورده في كتابي المقبل عن زمن الحمدي.

كانت استقالة دهمش في الثامن من أغسطس/آب 1977، أي قبل شهرين من اغتيال الحمدي أقرب إلى (انشقاق) خطير في بُنْية الحكم الذي حاول إبراهيم إرساء مداميكه على أرضية لم تكن قد امتلكت بعد صلابة الأرض التي يمكن البناء عليها، كما كانت أشبه بدوخان شراعٍ حاول إبراهيم ضبطه لاستيعاب الرياح العاتية الهوجاء وتحويلها إلى قوة دافعةٍ بسفينته في الاتجاه الصحيح وسط بحرٍ متلاطمٍ من الأمواج العالية مداً وجزراً.
غير أن ما كان مدهشاً بحق أن كلاً من الحمدي ودهمش جعلا من خلافهما بعد تلك الاستقالة درساً عميقاً في أدب الخلاف، وفي فن إدارة الاختلاف واحترام شرف الخصومة.

لم يتخذ إبراهيم أي إجراء إزاء استقالة دهمش بل اكتفى، بحسب ما ورد في مذكرات (سنان ألو لحوم) كبير مشائخ (بكيل) بالتعبير “عن تمنياته لدهمش العناية بصحتيه الجسمانية والنفسية، بعد أن أوجز بعبارة سابقة أنه يُقِر بكل الأخطاء وينفرد بتحمل المسئولية عن كل خطأ، مُعفياً الآخرين منها”.

ثمة تفاصيل في المقال لا يتسع له الوقت ولا المجال، سأعود إليها في أحد كتبي المقبلة، أما الصور فشرحها يطول لكن تفاصيلها ودلالاتها لدى صاحبها اللديق المبدع عبد الرحمن الغابري حفظالله.
رحم الله من قضوا وحفظ اليمن وشعب

المقاطرة نيوز | من أضابير الذاكرةدهمش .. جُرحُ (الحمدي) الصحيح!/أنور العنسي

اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading