أخبار محليةالمقاطرةتحقيقات

“قلعة المقاطرة”.. حصنٌ استعصى على الإمامة يواجه أحفادها بعد عقد من الصمود

قلعة المقاطرة الحصن الاستراتيجي التاريخي في لحج

من بين الجبال التي تختزن فصولاً من تاريخ اليمن الدامي، تعود قلعة المقاطرة إلى واجهة المواجهة من جديد، مع تصاعد محاولات مليشيا الحوثي الانقلابية للسيطرة على هذا الحصن العسكري الاستراتيجي الذي ارتبط اسمه عبر التاريخ بمقاومة التوسع الإمامي، وشهد قبل أكثر من قرن معارك ضارية خاضها أبناء المنطقة في وجه جيوش الإمام يحيى حميد الدين.

ومنذ أيام، تشهد المنطقة المحيطة بالقلعة عمليات قصف تشنها مليشيا الحوثي الانقلابية، أعقبتها هجمات فاشلة للسيطرة عليها، في حين تتصدى قوات الدفاع المرابطة فيها لكل موجة مدعومةً بأبناء المنطقة أنفسهم.

وتكتسب المعركة الدائرة في محيط القلعة أبعاداً تتجاوز السيطرة على مرتفع جبلي؛ إذ يمنحها موقعها الجغرافي أهمية عسكرية متجددة في حسابات التحكم بالمناطق والطرق الرابطة بين تعز ولحج.

ما هي قلعة المقاطرة وما أهميتها العسكرية؟

تحتل قلعة المقاطرة موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية في مديرية المقاطرة، الواقعة على امتداد المناطق الجبلية الرابطة بين تعز ولحج، وقد منحتها المرتفعات الوعرة والتحصينات الطبيعية ميزة دفاعية جعلتها عبر التاريخ موقعاً صعب الاقتحام ونقطة مؤثرة في مراقبة الممرات والتحركات العسكرية.

وهي سلسلة جبلية كبيرة تقع شمال غربي محافظة لحج، بالقرب من المناطق المتاخمة لمحافظة تعز، تحيط بها تضاريس شديدة الوعورة، وليس لها سوى مدخل واحد، ويتراوح ارتفاعها بين 2,000 و2,500 متر فوق مستوى سطح البحر، مما جعلها حصناً طبيعياً منيعاً على مر العصور.

وتنبع الأهمية العسكرية للقلعة من طبيعة تضاريسها الوعرة، ووقوعها على قمة جبلية لا يصلها إلا عبر ممرات محدودة، الأمر الذي يمنح المدافعين عنها أفضلية واضحة في التصدي لأي هجوم. كما يتيح موقعها المرتفع مراقبة التحركات في المناطق المحيطة بها، وإبطاء تقدم أي قوة معادية، مما يجعل السيطرة عليها رهينة التطويق لا التفوق العددي.

وتكتسب القلعة أهمية مضافة من موقع المقاطرة ضمن المجال الجغرافي الرابط بين تعز ولحج والعاصمة المؤقتة عدن، حيث تتقاطع مصالح عسكرية كبرى مرتبطة بالطرق التي تصل المناطق الداخلية بالجنوب.

تاريخٌ في مقاومة الإمامة

لم تقتصر الأهمية التاريخية لقلعة المقاطرة على مواجهة الحكم الإمامي، بل ارتبط اسمها أيضاً بمواجهات عنيفة مع القوات العثمانية في اليمن أواخر القرن التاسع عشر، إذ واجهت حملات عسكرية متعاقبة واستعصت على المهاجمين رغم الحصار الطويل الذي ضُرب عليها لسنوات.

وتروي الذاكرة الشعبية لأبناء المقاطرة أن أحد القادة العثمانيين أقسم ألا يرفع الحصار قبل أن تطأ قدماه أرض القلعة، فأحضرت له المقاومة تراباً من أرضها ليدوسه، ليعود خائباً دون أن يصلها، في حكاية لا تزال حاضرة في الوجدان المحلي.

وخلال العقود الأولى من القرن العشرين، حين سعى الإمام يحيى حميد الدين إلى توسيع نفوذه إثر انتهاء الوجود العثماني، شكّلت قلعة المقاطرة إحدى أبرز محطات المقاومة التاريخية، وصمدت سنوات في وجه الحملات الإمامية، قبل أن تسقط عام 1921 بعد خيانة من داخلها.

وتشير دراسات تاريخية إلى أن أبناء المقاطرة خاضوا مقاومة امتدت أكثر من عامين في مواجهة القوات الإمامية، مستفيدين من الطبيعة الجبلية الحصينة، رغم ما امتلكه المهاجمون من أعداد وعتاد. وعلى الرغم من السقوط، بقيت تلك المقاومة محطة بارزة في ذاكرة المنطقة ورمزاً لرفض الخضوع.

عقدٌ من الصمود في وجه أحفاد الإمامة

منذ عام 2015، عادت مديرية المقاطرة وقلعتها التاريخية إلى قلب المواجهة، حين هبّ أبناؤها لمواجهة محاولات مليشيا الحوثي السيطرة عليها، في مشهد يستحضر الإرث التاريخي ذاته وإن اختلفت ظروفه وأطرافه.

وحين حاولت المليشيا الدخول إلى المديرية عبر منطقة الأحكوم عقب انقلابها العسكري، تشكّلت مقاومة شعبية أجبرتها على التراجع. ومنذ تلك اللحظة، لم تتوقف المحاولات، غير أنها تفشل في كل مرة وتتكبد خسائر فادحة، فيما بقيت المنطقة عصيّة على السقوط لأكثر من عشر سنوات.

واليوم، جاءت المحاولة الجديدة من اتجاه مختلف، عبر مناطق باتت تحت سيطرة المليشيا في أكتوبر 2026، في تصعيد عسكري شمل هجمات متكررة على مواقع القوات المدافعة.

وقد تمكنت القوات المرابطة من التصدي لجميع الهجمات وإلحاق خسائر بالمليشيا، أُعلن عن بعضها رسمياً وشمل مقتل وإصابة عشرات العناصر الحوثية وتدمير عدد من الآليات والمعدات القتالية.

وفي تطور مثير للقلق، أفادت مصادر محلية بأن الحوثيين وجّهوا تهديدات للسكان في المناطق المجاورة للقلعة وطالبوهم بإخلاء منازلهم، محذرين من قصف عشوائي، وسط معاناة المدنيين من قصف يومي يطال القلعة ومحيطها، أسفر بالفعل عن سقوط ضحايا في القرى المجاورة.

وهكذا، تظل قلعة المقاطرة شاهدةً على تاريخ طويل من الصمود، فيما تتجدد المعركة اليوم من جديد حول أسوارها ومحيطها. وتبقى الجغرافيا الحصينة وإرادة أبناء المنطقة هما الفيصل في مآل هذه المواجهة — فهل تُضاف إلى سجل القلعة صفحة جديدة من الصمود؟


اقرأ أيضاً


اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى