من الذاكرة

✍️سلطان احمد محمد
في سجلّ الرجال الذين صنعوا حضورهم بصمتٍ نبيل، وتجاوزوا حدود الجغرافيا الضيّقة إلى فضاءات العطاء الإنساني، يبرز اسمٌ حمل بين جنبيه ملامح القرية وصلابة الريف، ثم انفتح على مدينةٍ كانت يومًا قلب الحياة النابض في جنوب الجزيرة العربية. هو واحدٌ من أولئك الذين لم تكتب لهم الشهرة سطورها، لكنهم كتبوا لأنفسهم مكانًا في ذاكرة الناس وسيرتهم اليومية، بما قدّموه من عملٍ صادق، وجهدٍ مخلص، وانتماءٍ عميق لجذوره الأولى.
وفي هذا السياق، تَرِدُ سيرة فقيدنا الوالد “محمد عبده ثابت ” بوصفه نموذجًا للإنسانٍ الذي جمع بين البساطة والوعي، وبين الانتماء للقرية والانخراط في المدينة، فكان جسراً إنسانيًا وثقافيًا بين عالمين، ووجهًا من وجوه العطاء الهادئ الذي لا يطلب ضوءًا ولا ينتظر جزاءً إلا من الله والذاكرة.
ولد الفقيد في العام 1935 ؟ وترعرع في كنف اسرته ،تلقى تعليمه الاولى وحفظ ما تيسر من كتاب الله الكريم على يد الفقيه عبدالله علي عبدالله طيب الله ثراه ، وما ان بلغ سن الرجولة حتى غادر قريته برفقة والده عبده ثابت حسن عبدالله الى مدينة عدن التي كان يشد اليها الرحال طلبا للرزق ،وهناك في عروس البحر العربي تفتق ذهنه على ايقاع الحياة المدنية الصاخبة ،فادرك ان الحياة القاسية في الريف قد اكسبته مهارات للتعامل مع الحياة الجديدة ،فتعلم الكثير من امور الحياة في المجتمع الجديد ،وأدرك ان قريته الواقعة خلف الجبال البعيدة بحاجة الى العلم والمعرفة ،لتغير حياة البؤس والكآبة التي خلفتها الإمامة المتخلفة في تجهيل المجتمع اليمني في شمال الوطن ،ومن هذا المنطلق كان من مؤسسي الجمعية الخيرية لابناء حلقان ، انتخب في العام 1966 عضوا اللجنة التأسيسية ولجنة السكرتارية للجمعية الخيرية التي افضت الى ارساء مداميك انشاء الفصول الاوائل في مدرسة القرية ،حيث بدأ الى جانب رئيس الجمعية ونائبه بجمع التبرعات من تجار قدس في مدينة عدن لصالح بناء المدرسة ،عمل في عدن كحارسا في احد مخازن التاجر الهندي – الفارسي بادلاجي (Badalji)الذي كان تاجرا متخصصا في استيراد وتصدير طواحين الحبوب لشبه الجزيرة العربية وشرق افريقيا في خمسينات القرن المنصرم ،وكان المحليون يطلقون على المخزن (بخار ) ،وكان الى حانب عمله ذاك يعمل حارسا في مخزن البنك بالتناوب مع المرحوم سعيد قاسم محمد ،عمل ايضا وكيل للمغتربين من ابناء منطقته ومناطق الجوار، ابان الكفاح المسلح لتحرير جنوب اليمن من الاستعمار البريطاني انخرط عضوا في التنظيم الشعبي الجناح العسكري لجبهة التحرير مع العديد من ابناء قدس.كان يستقبل الوافدين من ابناء منطقته ومناطق الجوار ،يقدم لهم يد العون ، كان سفير منطقته في تلك المدينة الساحرة ،كان
يحب اعمال الخير ، له حضورا اجتماعيا، كريما ،شهما يحضى باحترام الجميع ،وافاه الأجل في العام 1970 ،بعد حياة حافلة بالعطاء لوطنه وأسرته وأبناء قريته متأثرا بمرض الكبد .
رحم الله الوالد محمد عبده ثابت وأسكنه الفردوس الاعلى في الجنة مع الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا،،،
اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.








