صالح حتى بعد الرحيل، ما زال اسمه قادرًا على إرباك خصومه


عبود محمد علي
استمعتُ إلى المكالمة المسربة التي جمعت الرئيس الراحل علي عبدالله صالح بالراحل عبدالكريم الإرياني ،فبدت لي كأنها شهادة متأخرة على مرحلة، أكثر منها مادة إدانة كما أُريد لها أن تكون.
لم يعد لدى الحوثيين — في مواجهة اتساع الحنين الشعبي إلى صالح في مناطق سيطرتهم — سوى سلاح التسريبات. غير أن هذه الورقة، على ما يبدو، خرجت دون حساب دقيق. ولعل المستشارين الإيرانيين المعنيين بالملف اليمني قد غابوا، انسحابًا أو غيابًا قسريًا، وإلا لما سُمح بخروج تسجيل كهذا، لما يحمله من أثر عكسي قد يعيد إحياء صورة الزعيم بدل النيل منها.
فالمكالمة، عند قراءتها بهدوء، لا تقول ما أُريد لها أن تقول.
بل يمكن فهمها على نحو مختلف تمامًا:
أولًا: يظهر صالح وهو يقدّم مصلحة بلاده في لحظة عربية مشحونة بالانقسام والتوتر، ويتعامل مع الحدث بميزان الدولة وليس باندفاع اللحظة.
ثانيًا: لم يكن غيابه عن القمة نتيجة أمر أو إملاء، بل إدراكًا لثقل حضوره، الذي بدا واضحًا في لغة الحديث نفسها، حيث لم تخلُ من المدح والمقارنات بينه وبين غيره.
ثالثًا: ظل الموقف اليمني من القضية الفلسطينية ثابتًا، بلا تبدّل ولا مساومة، وهو ما لم تنجح المكالمة في نقضه أو التشويش عليه.
أما الأهم، فهو أن صالح — كما عرفه خصومه قبل أن يعرفه أنصاره — كان يزن خطواته بمنطق الربح والخسارة الوطنية .
سؤال بسيط لكنه جوهري: ماذا كان سيتغير لو حضر القمة؟
لا شيء ، سوى صورة بروتوكولية في مشهد عربي لم يكن يملك آنذاك أدوات الفعل.
حتى محاولة تسويق التسريب بوصفه وسيلة لإحداث شرخ داخل المنظومة الخليجية تبدو محاولة واهنة. فالخليجيون يعرفون جيدًا ما يدور في الغرف المغلقة، ويدركون ما تُخفيه النفوس من تباينات، لكن ما يحكم مواقفهم في النهاية هو ميزان المصالح، وليس العبارات العابرة او الإسقاطات المتعمدة.
وعلى نحوٍ ما، خُيّل إليّ أن صالح يطلّ من عليين يراقب هذا الضجيج بابتسامة هادئة، ويردد بيت المتنبي:
كم تطلبون لنا عيبًا فيعجزكم
ويكره الله ما تأتون والكرم
هكذا هي المفارقة؛
حتى بعد الرحيل، ما زال اسمه قادرًا على إرباك خصومه،
وما زالت محاولات النيل منه تنقلب — في كل مرة — إلى شهادة غير مقصودة على حضوره
اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.









