عندما بكى أبوبكر سالم وأبكانا معه!
الأستاذ خالد الرويشان
وزير الثقافة والسياحة سابقاً

سِر حُبّي فيك غامض!
عندما بكى أبوبكر سالم وأبكانا معه!
فجأةً ، وفي مساء الخميس 3 يوليو 2003 كان صوته على الهاتف من المُكلا:
سأكون غداً صباحاً في صنعاء!
قلت : خبر جميل يا أستاذ أبوبكر
أضاف : هي ساعات فقط في صنعاء من أجل موعد الطائرة بعد أيام قضيتها في المكلا التي كرّمتني جامعتها بالدكتوراه الفخرية
قلت مُرحّباً : أهلاً بك في وطنك وبين أهلك
في تلك اللحظة تساءلت مع نفسي محتاراً :
ساعات في صنعاء! ويوم جمعة أيضاً
كنتُ حائراً مفاجأً بالتوقيت الغريب وضيق الوقت!
لم أكن قد أكملت شهرين بالوزارة!
وهذه أول مرة يمر أبوبكر بصنعاء وأنا متقلدٌ لوزارة الثقافة والسياحة .. ويمر من صنعاء بلا تكريم!
وقررت بحسم .. لابد من تكريمه حتى لو كان يوم جمعة!
كنتُ حائراً .. من أين أبدأ!
لكن الحيرة لم تأخذني طويلاً
فقد بدأت بالإتصال بالصديق عبدربه روضان كي يعد درعا منحوتاً ممتازاً باسم الفنان الكبير وينجزه خلال ساعات الليل!
ثم اتصلت بجمعٍ من الفنانين والشعراء والصحفيين ووكلاء الوزارة والتلفزيون للحضور الساعة العاشرة صباحاً لحضور التكريم في القاعة الكبرى في مبنى الوزارة
ثم تم الإعداد لحفل غداءٍ على شرف الفنان الكبير في دار الحجر التاريخي في الضاحية الشمالية من المدينة
وأبلغت رئيس الوزارء عبدالقادر باجمال
وكذلك نائب الرئيس حينها عبدربه منصور هادي وتم ترتيب غداء ومقيلين لديهما في منزليهما!
وتم ترتيب سيارات الضيافة لتكون في استقبال الفنان الكبير ومصاحبته خلال فترة بقائه
كانت ساعاتٍ صعبةً منتصف ليل الخميس وأنا أخطط وأتابع هذه الترتيبات على عجل وقُبَيل وصوله بساعات قليلة.
في التاسعة والنصف صباح اليوم التالي الجمعة كنتُ في صالة كبار الضيوف في مطار صنعاء لاستقبال أبوبكر سالم
وحين خرجنا من الصالة فضّلت أن نستقل سيارتي ولحقتنا سيارات الضيافة!
كنتُ رتّبت مع سكرتيري الفنان نشوان الحجري الذي جلس بجوار السائق أن يفتح أغنية ياطير ياضاوي التي أحبها جداً فور صعودنا إلى السيارة
ثم طلبت من نشوان غلاف الكاسيت الذي يحمل صورة قديمة بديعة للفنان وهو يلبس بدلةً أنيقةً بيضاء
حين رأى الصورة قال متهللاً : شوف يا أستاذ خالد كيف كنت وسيماً وجميلاً!
قلتُ له : ياللأناقة والوسامة بالفعل!
قال : تلك أيام الشباب
قلت : ولكنك ماتزال أنيقاً ووسيماً
قال : كبِرنا والله .. هذا كله ديكور!
وصلنا مبنى الوزارة ودخلنا القاعة الممتلئة بحضورٍ نخبوي من فنانين وصحفيين وإداريين
وألقيت كلمة ترحيبية مرتجلة تذكرت خلالها بيتين للشاعر العربي الكبير سليمان العيسى:
مِنْ أيّ شبّابةٍ غنّى الإلهُ بها
سرقتَ صوتكَ قُلْ لي أيها الشادي
هتفتَ ياليل .. صار الليلُ حنجرةً
وذابَ آهاً على عُودٍ وعوّادِ
لم أتوقع ذلك التأثر الذي بدا على وجهه!
أمسك بالميكرفون وقال بصوته النادر المُنثال جلالاً مهيباً وجمالاً رحيباً :
الصمتُ في حَرَمِ الجمالِ كلامُ!
ثم شكر الوزارة واحتفاءها به قبل أن يتسلّم درع التكريم الذي لم تبرد حرارة معدنه بعد!
في الطريق إلى دار الحجر قلتُ له:
يحبك الناس هنا ويتابعون أغانيك القديمة والجديدة
قال : صحيح ، ولكن بلا حقٍ فكري من أحد فلا أحد يستأذن مني بطبع الأغاني!
وأضاف : عشرون مليون يمني هنا في اليمن هم أكثر من سكان الجزيرة قاطبة ومن المهم الاهتمام بالحق الفكري
ثم أردف قائلاً : بالنسبة لي المشكلة ليست في الحق فحسب ولكنها في الكاسيت الرديء رخيص السعر أيضاً الذي يشوّه الأغنية!
قلتُ له مُطَمْئِناً : نحن بصدد إعداد لائحة ملزمة لكل المنتجين .. للأسف هذه مشكلة تعاني منها معظم دول العالم الثالث وترتبط بالمستوى الاقتصادي للشعب
وصلنا دار الحجر وكان في استقبالنا حوالي 50 شخصية بين فنانٍ وشاعر
صعد أبوبكر سالم السلالم صوب المفرج بصعوبة فسارع نشوان الحجري للأخذ بيده بأناةٍ وصبر حتى دخلنا المَفرَج
وأمام شذروان المَفرَج وبينما نحن في انتظار الغداء عزف وغنى الفنان الكبير نجيب سعيد ثابت أغنية أبوبكر القديمة البديعة العدنية “ياورد ماحلى جمالك”
ثم قمنا للغداء فسألته عن وجباته المفضلة!
قال : منعني طبيبي من اللحوم تماماً فأنا أفطر كوباً من الحليب مع قطعة خبز والغداء مجرد 5 ملاعق أرز أما العشاء فكوب حليب وتفاحة!
بعد الغداء ذكّرني بالموعد مع نائب الرئيس فطلبت منه أن نجلس في المفرج ولو ساعة فقال إنه لن يخزّن رغم حُبهِ للقات لأن لديه موعد مع التلفزيون الثامنة مساءً ولا يريد للقات أن يؤثر عليه قبل المقابلة!
في الطريق إلى منزل النائب سألته مباشرةً .. من تسمع من الفنانين اليمنيين؟
قال : أسمع الجميع ..أسمع أيوب والمرشدي وعلي الآنسي ..
قلت : والحارثي ياراجل؟ قلتها باللهجة المصرية!
قال : الحارثي فنان كبير وجملته النغمية قصيرة وبالنسبة لي ارتحت للآنسي لأن جملته طويلة تناسب امتدادات صوتي مثل أغنية ياليل هل أشكو.
وصلنا الرابعة عصراً إلى بيت نائب الرئيس ودخلنا الديوان .. وانتظرنا .. ولم يصل النائب إلاّ الرابعة والنصف!
بعد نصف ساعة استأذنت معتذراً بالذهاب إلى بيتي .. كنتُ مرهقاّ بعد ليلةِ عمل وترتيب ويومٍ بديع ممتلئ بالعواطف ..
وعدتُ مصطحبا نشوان الذي شهد كل تفاصيل هذه الزيارة في يومها الأول والثاني من البداية للنهاية!
في اليوم التالي السبت ذهبتُ ظهراً إلى فندق تاج سبأ مصطحباً أبوبكر في سيارتي إلى منزل رئيس الوزراء عبدالقادر باجمّال رحمة الله عليه حيث أقام مأدبة غداء على شرف الفنان الكبير
فوجئنا في المقيل بحضور كثيف لفنانين وعازفين وإيقاعيين أتذكر منهم عارف جُمّن وعمر غلاب
بدأ عمر غلاب الجلسة بأغنية “السعيد الذي ماعرف الهوى”
بعد ساعة أومأت إلى نشوان بأن يغني أغنية “وقف وودّع” لعلي الآنسي ، فقام إلى جوار عمر غلاب وأخذ عوده وغناها حتى هنهن طرباً معه أبوبكر سالم قائلاً : شكراً ياحبيب
كنتُ جالساً إلى جوار أبوبكر سالم ومع أذان المغرب قام البعض للصلاة وتخفف المجلس من بعض رواده فوجدتها فرصةً لأقول مبتسماً وكأني أمزح :
أنا عاتبٌ عليك أستاذ أبوبكر!
ماذا حدث؟ تساءل أبوبكر
قلت : كنا معا بالأمس طوال اليوم وكنتَ لابساً بدلتك الأنيقة .. فماذا جرى حتى تذهب للمقابلة في التلفزيون بالعقال!
سكتَ قليلاً وقد فوجئ بالعتب!
ثم قال لي : أعدك أن أغني في المرة القادمة بالزي الحضرمي أو بالبدلة!
كان نشوان الحجري يستمع للحوار مأخوذاً مدهوشاً قبل أن أقول في محاولة للخروج من الموضوع :
هل تعرف يا أستاذ أبوبكر أن نشوان يغني المتنبي أيضاً!
فطلب أبوبكر من نشوان أن يغني المتنبي ، وكان قد التمّ شمل المجلس مرةً أخرى
فأمسك نشوان بالعود وغنَّى للمتنبي :
أنا لائمي إنْ كنتُ وقتَ اللوائمِ
عرفتُ بما بي بينَ تلك المعالمِ
ولكنني ممّا شُدِهْتُ متيّمٌ
كسالٍ ، وقلبي بائحٌ مثلُ كاتمِ
كان أبوبكر سعيداً بمايسمع .. أبوبكر الذي يحفظ آلاف القصائد من الشعر العربي ويتفنن في غنائها وإلقائها
قارب الوقت الساعة الخامسة حين أشار عبدالقادر باجمّال إلى عازف العود الفنان الكبير عارف جُمّن بالعزف
وبدأ عارف بعزف تقاسيم رائعة قبل أن يشير إليه أبوبكر سالم بعزف لحن أغنية “سر حبي فيك غامض”
وبدأ أبوبكر بالغناء بطبقة قرارٍ معجزة .. وغشِيَ المكانَ وقارٌ وجلالٌ مُجنّحَان وعندما وصل إلى مقطع ” أنتِ أحلى اسم في قلبي ثلاثي الحروف” ويقصد بها حروف كلمة “يمن” تهدّج صوته فجأةً واختنق بدموعه تأثراً وهو يغني اليمن
لمَستنا صعقتُهُ فانهالت دموع المكان وانسفحت شجون الزمان
أتذكر أن تلك الهنيهة غسلَتنا تماماً .. غسلت المكان والزمان بل أنها طارت بنا ثم أعادتنا نقطرُ نقاءً وبهاءً مثل أطفالٍ وُلِدوا لتوّهم!
بعد ساعات غادر أبوبكر سالم صنعاء!
لكنه عاد إلينا بعد سنة محتفلاً ضمن فعاليات صنعاء عاصمة للثقافة العربية 2004
وتلك حكاية أخرى!
اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.









