فلسفة التوقيت في التحولات الأخيرة

موسى المقطري
قد يتساءل البعض لما تأخرت القرارات من الشرعية ومن السعودية حتى اليوم ونحن ننتظر منذ سنوات؟
والحقيقة أنه لا تقاس نجاح القرارات السياسية بلحظة إعلانها، بل بالقدرة على حمايتها وفرضها على أرض الواقع، ومن هنا أدركت الشرعية أن القفز فوق المراحل دون امتلاك “أدوات القوة” الكافية كان سيجعل من أي قرار مجرد حبر على ورق، وكان البديل هو “الصبر الاستراتيجي” خلال السنوات الماضية حتى تتوفر قاعدة صلبة، سياسياً وعسكرياً، تضمن ألا يكون القرار مجرد رد فعل عاطفي، بل خطوة مدروسة ضمن سياق التحول الذي نراه يتشكل اليوم.
في الشأن االسعودي شكلت الضغوط الدولية والمواقف المذبذبة للإدارة الأمريكية خلال فترة بايدن حائط صد أمام أي توجه جاد لتغيير قواعد اللعبة في المنطقة، ومع وصول العلاقة بين الرياض وواشنطن إلى مرحلة من “البرود الوظيفي” وقتها، اتجهت القيادة السعودية نحو الركود في القرارات السيادية، لكن تغير كثير من المعطيات خلال الفترة الأخيرة في ظل وجود إدارة ترامب ساعدت السعودية على التحول إلى موقع أفضل يمكنها منه اتخاذ قرارات بحجم ما اتخذته حالياً، وهي قرارات سيادية كانت في السابق تُصنف ضمن “المناطق الحمراء”.
من جهة أخرى فإن الضغوط قد تشكل دافعاً للتحالفات الجديدة في عالم السياسة، وغالباً ما تتحول إلى محرك للتغيير الجذري، ومن ذلك محاولات الاحتلال الإسرائيلي تضييق الخناق على الدور الريادي للمملكة، سواء عبر الممرات الملاحية أو الضغوط الاقتصادية، وهذه الضغوط لم تؤدِ إلى الانكفاء، بل عجلت بخلق مسارات بديلة، والسعودية اليوم تعيد تعريف خارطة مصالحها من خلال بناء تحالفات براجماتية عابرة للقارات، مما يضع خصومها أمام واقع جيوسياسي جديد لم يحسبوا له حساباً، ويجعل من استقرار المنطقة مرتبطاً برؤية الرياض لا برؤية الطامعين فيها.
في المحصلة فإن نضوج الظروف وتغير موازين القوى والانتظار الذي دام سنوات لم يكن ركوداً، بل كان انتظاراً للحظة التوازن المثالية، والمعطيات التي تغيرت مؤخراً هي التي منحت الضوء الأخضر للبدء في مرحلة “الحسم السياسي” وهو ما يجعلنا أمام مشهد جديد قد لا يعتمد على المسكنات المؤقتة بل الذهاب لعمليات استراتيجية تهدف إلى استئصال مسببات التوتر وإعادة رسم حدود النفوذ والمصالح والحلفاء.
دمتم سالمين.
اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.









