مقالة سياسية

القضية الجنوبية بين العدالة والشراكة الوطنية من مخرجات الحوار الوطني إلى متطلبات الدولة

المقاطرة نيوز | القضية الجنوبية بين العدالة والشراكة الوطنية من مخرجات الحوار الوطني إلى متطلبات الدولة

أيمن الحداد

مستشار تطوير منظمات

في جوهرها، لم تتعامل مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل مع القضية الجنوبية كأزمة طارئة، ولا كملف قابل للإدارة الظرفية، بل كاختبار تأسيسي لطبيعة الدولة نفسها. فقد انطلقت الوثيقة من مسلّمة واضحة: أن أي دولة لا تعالج مظالمها البنيوية عبر عقد سياسي جديد، محكوم عليها بإعادة إنتاج أزماتها بأشكال مختلفة. ومن هذا المنطلق، لم يكن حل القضية الجنوبية منفصلًا عن إعادة بناء الدولة، بل كان مدخلًا إلزاميًا لها.

لقد أكدت مخرجات الحوار أن العدالة لا تتحقق بإزاحة مظلومية واستبدالها بأخرى، ولا بإعادة توزيع السلطة شكليًا، بل عبر ضمانات دستورية ومؤسسية تمنع عودة الإقصاء، وتربط الشراكة السياسية بإرادة المواطنين لا بتوازنات القوة. لذلك جرى التأكيد على دولة اتحادية حديثة، تُدار فيها السلطة على أساس المواطنة المتساوية، ويُعاد فيها توزيع الثروة والقرار، وتُصان فيها الخصوصيات دون أن تتحول إلى قطيعة.

في هذا الإطار، يصبح الخطر الحقيقي على القضية الجنوبية ليس في التمسك بمطالبها، بل في فصل هذه المطالب عن الإطار الذي يمنحها قابلية التنفيذ. فالمخرجات لم تطرح الجنوب بوصفه كيانًا معزولًا، ولا بوصفه طرفًا تابعًا، بل شريكًا كاملًا في صياغة مستقبل الدولة، شريطة أن يكون هذا المستقبل قائمًا على قواعد واضحة تمنع الانفراد، وتحمي التعدد، وتؤسس لعدالة انتقالية تُنهي آثار الماضي بدل تدويرها.

إن استعادة منطق الحوار الوطني اليوم ليست عودة إلى الوراء، بل استدعاء للحظة نادرة جرى فيها الاتفاق على أن الحلول الدائمة لا تُبنى بالانفعال، بل بالتوافق؛ ولا تُفرض بالقوة، بل تُحصَّن بالضمانات؛ ولا تنجح بالشعارات، بل بتصميم دولة قادرة على حماية مواطنيها شمالًا وجنوبًا من عودة الظلم بأسماء جديدة.

القضية الجنوبية، كما أرادها الحوار الوطني، ليست قضية كسر إطار، بل إعادة تعريفه. ليست مشروع قطيعة، بل مشروع تصحيح تاريخي عميق. وكل مسار يبتعد عن هذا الفهم، مهما بدا حاسمًا أو جذريًا، يظل مهددًا بإعادة إنتاج الأزمة التي وُلدت منها القضية أصلًا.


اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

يسعدنا أن تسجل رأيك وتذكر تعليقك يعكس للأخرين شخصيتك وثقافتك وإخلاقك

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading