لن أحتفل بعد اليوم بأي مناسبة وطنية…….

فواز مهيبش
سبتمبر أكتوبر، نوفمبر، مايو… وغيرها من المناسبات الوطنية التي تعاقبت علينا، لم تعد تمثل لي أي معنى حقيقي، ولم أعد أرى فيها ما يدعو للاحتفال.
فالاحتفالات الشكلية، والخطب الرنانة، والأعلام المرفوعة، لا يمكن أن تغطي على الواقع المؤلم الذي يعيشه المواطنون. علينا أن نعي جيدًا أن وراء هذه الشعارات الزاهية سياسات مكر وخداع تمارسها النخب السياسية، مستخدمة المناسبات الوطنية أداة لإيهام الشعب بإنجازات وهمية، بينما الحقيقة هي أن المواطن هو الضحية الأكبر لهذه السياسات.
لقد تعرض المجتمع، في مراحل مختلفة من تاريخه، لاستغلال ممنهج من قبل النخب السياسية، استغلالًا جماعيًا يهدف إلى تحقيق مصالح شخصية ضيقة على حساب تطلعات وآمال الشعب. هذا الاستغلال لم يختلف في بشاعته عن أي نوع من أشكال الاستغلال الأخرى، لكنه أشد قسوة لأنه يفتقد لأي وازع أخلاقي أو شعور بالمسؤولية، مما يجعله أكثر خطورة على النسيج الاجتماعي والوطن بأسره.
الشيء الغريب والمفاجئ أحيانًا هو تشابك مصالح تلك النخب بعضها ببعض، حيث تُعقد بينهم اتفاقات من تحت الطاولة وفي الغرف المغلقة، لتمرير بعض المشاريع، وكل ذلك على حسابك أنت المواطن المغلوب. فحتى مع التباين الواضح في أهداف كل فئة منهم، تتلاقى مصالحهم في هذه اللحظات لتذكّرنا بما نشاهده في الأفلام والدراما على شاشات التلفزة، حيث تتحرك القوى خلف الكواليس بعيدًا عن أعين الجمهور، بينما النتائج يتحملها المواطن وحده.
ومن ضمن سياسات المكر والخداع التي تمارسها النخب السياسية، توهم الشعب بأهمية الاحتفال بالمناسبات الوطنية، وهم في الوقت نفسه عائشون في براثن الولاء أو العمالة للخارج. هذه المفارقات العجيبة لا توجد إلا في بلادنا، وتكشف حجم الانفصال بين الخطاب الرسمي وواقع من يمارسونه بالفعل.
الوطن لا يُحتفى به بالخطابات المزخرفة أو الشعارات البراقة، بل بالعدل والحرية والكرامة ووفاء النخب لتضحيات أبنائه. ومن لا يعيد الاعتبار للمواطن، ويصون حقوقه، فلا قيمة لاحتفالياته، ولا معنى لرموزه الوطنية، مهما بدت مهيبة على الورق أو في صور الإعلام.
إن استعادة الثقة بين الشعب والنخب السياسية تتطلب أكثر من الاحتفال، تتطلب الشفافية والمحاسبة والإصلاح، فالوطنية الحقيقية هي ما يُترجم إلى أفعال ملموسة على الأرض، لا مجرد مناسبات توثق على صفحات التاريخ دون أن تعكس واقعًا حقيقيًا.
فواز مهيبش
اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.









