المقاطرة نيوز

حوارٌ مع هيكل! (2)

خالد الروبشان

الأديب والكاتب  والمفكر  الأستاذ محمد حسنين هيكل رحمة الله عليه
محمد حسنين هيكل رحمة الله عليه

هيكل مندهشاً: حتى عبدالناصر أصله من اليمن كمان؟!

لم أكن أتخيل تلك الابتسامة الساحرة والمودّة الغامرة اللتين يستقبلك بهما هيكل كأنّهُ يعرفك منذ زمنٍ بعيد, وحتى قبل أن تجلس ستشعر بحيويته المتدفقة الدافقة مثل شلالٍ يسري في أعصابك, وضوءٍ ينسرب في روحك ..وبعد هُنيهات من جلوسك إليه ستتأكد لديك معالم هذه الشخصية وملامحها الرئيسية:

حيويةٌ متوهجة تصل كهرباؤها إليك منذ اللحظة الأولى
ثم ثقةٌ بالنفس لا حدود لها
وذكاءٌ ولماحةٌ لن تجد نظيراً لهما في من تعرف
ولعلّ القوّة المبادِرة أن تكونَ رابع معالم هذه الشخصية, وثمرةَ شجرتِها الوارفة.. إنّها زعامةُ الأريحية أو أريحية الزعامة!

لم يكن في نيّتي ولا في ذهني أن أحاور أو أسأل, وقد فوجئت بحيويته الفائرة, وجاهزيته الثائرة! ثم معلوماته الدقيقة عن اليمن وأحوالها وآخر أخبارها. والأهم, روقان البال النادر كأنه أفرغ روحه من كل ما يشغل أو يكدّر.
إنّه جاهزٌ لك فحسب, متفرّغٌ ومهتم. وتبيّنتُ مَعْلَماً آخر من معالم هذه الشخصية.. السيطرة على اللحظة.

كنتُ مهتمّاً بالشخصية وراء كل هذا الإنجاز الذي شغل العالم كلهُ, ثم متعة تأمُّل القيم السامقة التي تتطلع إليها أحلام الرجال: الثقافة, الشجاعة, القوّة, الجمال.. والنجاح.

لقد التقيتُ كثيرين من مفكري وأدباء العرب, ولم أتبين تلك المعالم مجتمعةً في أحد كما هي عند هيكل , خاصةً وهو على مشارف الثمانين كما هو هيكل في ذلك الوقت.. وأتذكر المقولة العربية القديمة وقد سمعتها ذات يوم من الشاعر العربي الكبير سليمان العيسى: عَرَفْتَنِيْ لتوّك ولي نابٌ واحد, ليتكَ عرفتني ولي نَابَان!
في هذه اللحظة تأكدتُ أن عبدالناصر كان محظوظا بهيكل وكان يعرف قدره وقدرته ومواهبه
وبدأَ الحوار مع هيكل, ولاحَ اختلافٌ حاولتُ أن أُدارِيهِ أو أُرَتِّقَه! لكنّه قال لي فجأةً: “أنا عايزك تختلف معايا”, فأجبته: لكنني لم آتِ للاختلاف ولا للخلاف. قلتُها وأنا أرتشف فنجان البن وأكتشف معلماً جديداً من معالم هذه الشخصية النادرة: القوّة الواثقة.

قدّمتُ لهُ هديةً هي عبارة عن سوارٍ فضّي صعديٍ قديم بديع النقش المنحوت كنتُ قد اشتريتُهُ من سوق المِلح في صنعاء, وعندما رآهُ تملّكَتْهُ الدهشة قائلاً: “هِدايِتْ حتتجنن لمّا تشوفه, عندها مكروسكوب تظل بالساعات تتأمل هذه النقوش اليدوية”. ولم أكن قد عرفتُ اسم زوجته إلّا في تلك اللحظة.
ثم قال لي فجأةً: “تعال معي كي ترى تحفة يمنية أعتز بها وهي عندي من زمان”.
مشى أمامي وسِرتُ خلفَهُ وبجانبي عبدالكريم ابن عمّي الذي كان رفيقي في هذه الرحلة, ودخلنا شقة الأستاذ هيكل المجاورة لمكتبه.. كانَ بهو الشقة كبيراً مزداناً بعشرات التحف الثمينة, وأشار هيكل إلى جنبية يمنية قديمة بحزامها القديم معلّقة على الحائط, ثم ذهب بي إلى زاويةٍ من الزوايا ليريني صندوقاً قديماً مطرزاً ونادراً كان قد اشتراه من الهند عمره سبعمائة سنة! ثمّ مدّ يدَهُ إلى رفٍّ قريب وأمسك بمصحف قديمٍ مخطوط كُتِبَ بماءِ الذّهب قال لي أنّه اشتراهُ بمبلغٍ كبير وأنّه معتزٌّ بهذه النسخة النادرة من القرآن الكريم.

كنتُ قد أحضرتُ معي نسخةً من كتاب الجامع في أعلام اليمن وقبائله المهاجرة لللمؤرخ الكبير بامَطْرَف في حلّته الأنيقة الجديدة وهو الكتاب الذي تشرّفتُ بتقديمه وطباعته في هيئة الكتاب, وقدّمتُ النسخة للأستاذ هيكل, وعندما لَمَحَ اسم جمال عبدالناصر على الغلاف الأخير للكتاب, وضمن الأعلام المنتسبين لليمن, قال مندهشاً: “عبدالناصر كمان! كنّا نظن أنّه أوّل حاكم مصري منذ أيّام الفراعنة.. طلع من اليمن!”. ثم استدرك ضاحكاً وبلباقته المعهودة: “لكن هذا معناه أن الكل في واحد, وأنّ الأمة واحدة”.
قلتُ: “عبدالناصر ذَكَرَ هذه المعلومة عند زيارته لليمن عام 1964م, كما أن المؤلف بامطرف نقلها عن كاتبٍ أمريكي كتب كتاباً عن عبدالناصر وأثبت بامطرف اسم الكاتب والكتاب في هامش الصفحة”. وهنا سألني هيكل: هل ركّز الكتاب على الدور العربي المهم في الأندلس؟ فأجبته: نعم وفي قلب هذا الاهتمام أبان بامطرف في الكتاب دور اليمانيين من البداية عبر قادة الفتح موسى بن نصير والسمح بن مالك الخولاني والغافقي ونهايةً باليماني أبي عبدالله الصغير آخر حكام غرناطة!
قال هيكل: “التركيز على التاريخ ودورنا فيه مهم, لكن الحاضر أهم”. وأكمل: “إنني شديد التفاؤل بالنسبة لمستقبل اليمن”. ثم قال فجأةً: “بس إيه حكاية خطف السياح اللي بتحصل عندكم اليومين دول؟” وإيه قصص الفساد اللي بنسمع عنها كتير وإيه حكاية أولاد المسؤولين اللي أصبحوا مقاولين مشروعات الدولة!
حاولتُ أن أشرح, وحاول أن يفهم، فلا أنا شرحت كما يجب، ولا هو فهم! ربما لأنّ هذه القضايا تحتاج لشرحٍ طويل وهي قضايا شديدة التعقيد والارتباط بقلب السلطة ورأسها! ..

قلتُ كي أنتقل بالحديث إلى حيث أريد: “إنني شديد الإعجاب بالكتاب الجديد الذي صدر لك, المقالات اليابانية”. وهنا سألني: “كيف وجدت معرض الكتاب هنا في القاهرة؟”. أجبته: الناشرون يشكون من قِلّة المبيعات. قال: “المشكلة في الناشرين والإدارة, مشكلة مصر المتخشبة, لقد تخشّب كل شيء, تخيّل, وزراء من عشرين سنة!” وذَكَرَ اسم صفوت الشريف تحديداً! وأكمل: “يا راجل, دُوْل وزراء ما تغيّروش من عشرين سنة! حتى الأحذية المهترئة يتم تغييرها ودُوْل ما تغيّروش!”.

سألتهُ: لماذا لم تزر اليمن من زمان؟ أجابني: “أنا جيت اليمن مرّات كثيرة, اللي مانعني الآن هو خشيتي من العزائم والولائم اللي ما بحبهاش, فلان(………) وفلان(……….) مش حيسيبوني” وضحكَ وضحكتُ معه.

انتهى اللقاء الأول بهيكل, وعند باب مكتبه ودّعني بنفس الأريحية التي استقبلني بها, وزادَ أنْ ضمّ كفّيهِ إلى صدره على طريقة (نهرو) ..التحية الهندية الشهيرة! وقد كان صديقاً له منذ سنوات بعيدة.

بقيَ أن أشير إلى ملاحظة تخطر على بالي باستمرار في تأمّلاتي في أحوال الحياة والناس والصداقات وصانعي القرار وفي غياب المؤسسات في عالمنا الثالث والرابع.. هذه الملاحظة هي:
قُلْ لِيْ مع مَنْ تجلس أقُلْ لكَ مَنْ أنت!
ربّما بَدَتْ هذه الحكمة باليةً عتيقة, لكنّها صحيحةٌ ومهمّة. وفي سياق عبدالناصر وهيكل, فقد تأكدتٌ أنّ قرب هيكل من عبدالناصر كان لصالح الأخير بلا شك.. وهذا عائدٌ لذكاء عبدالناصر .. إنّهُ ببساطة، فنُّ اختيارِ الصديق والقريب.


اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

يسعدنا أن تسجل رأيك وتذكر تعليقك يعكس للأخرين شخصيتك وثقافتك وإخلاقك

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading