مقالة سياسيةسليم النجاشي

حسابات الحوثي في تعز وغزة: تناقضات سياسية وواقع مأساوي

بقلم :سليم النجاشي

المقاطرة نيوز | حسابات الحوثي في تعز وغزة: تناقضات سياسية وواقع مأساوي

في الوقت الذي يفرض فيه الحوثي حصارًا خانقًا على مدينة تعز، يعيش سكانها حالة من المعاناة اليومية التي تتفاقم بسبب تهالك الطرق البديلة التي يستخدمها المواطنون بسبب الحصار. إن هذه الطرق، التي كانت في السابق مجرد مسارات ثانوية، أصبحت اليوم هي الطريق الوحيد للتنقل بين تعز ومدن أخرى، لكنها تعاني من اختناق وتهالك كبيرين. ومع كثافة حركة المركبات والشاحنات، يتصاعد الغبار إلى مستويات غير محتملة، ليحيل الحياة إلى جحيم حقيقي. أصبح هذا الغبار سببًا رئيسيًا في تفشي الأمراض التنفسية بين السكان، خاصة كبار السن والنساء والأطفال، حيث فقد العديد من المرضى حياتهم نتيجة لهذه الظروف البيئية القاسية. مما دفع بعض العائلات إلى النزوح من مناطقهم، بحثًا عن هواء أنقى وحياة أفضل، لكن هذا النزوح لم يكن حلاً دائمًا بل زاد من معاناتهم في أماكن أخرى.

الطرق البديلة التي يضطر سكان تعز لاستخدامها أصبحت ميدانًا مفتوحًا للمخاطر. حوادث السيارات والشاحنات أصبحت شائعة، حيث تنقلب الشاحنات المحملة بالبضائع، مما يتسبب في وفاة سائقيها وأفراد طواقمها. وكذلك الحافلات التي تقل المسافرين غالبًا ما تتعرض لحوادث خطيرة على هذه الطرق المتهالكة، مما يسفر عن سقوط ضحايا، وغالبًا ما يكون الأطفال والنساء من بين هؤلاء الضحايا. الواقع المأساوي يجعل الوصول إلى المدارس والجامعات مهمة شبه مستحيلة، فالتلاميذ يواجهون صعوبة كبيرة في التنقل بين القرى والمدن بسبب تهالك الطرق، مما يؤدي إلى انقطاعهم عن التعليم أو تأخرهم بشكل مستمر. الطلاب الجامعيون أيضًا يواجهون نفس الصعوبة، حيث يعجز الكثير منهم عن الوصول إلى جامعاتهم بسبب تعثر وسائل النقل وحالة الطرق.

ورغم هذه المعاناة اليومية، يصر الحوثي على تصدير نفسه كمدافع عن القضية الفلسطينية، ويجعل من نصرة غزة جزءًا من خطابه السياسي. لكن هذا الخطاب لا يتماشى مع واقع أفعاله؛ فبينما يدعي الحوثي عداءه لأمريكا وإسرائيل، فإنه في الوقت ذاته يواصل تحالفه غير المباشر مع القوى الدولية الكبرى مثل أمريكا وإسرائيل، من خلال استمراره في الحصول على دعم غير مباشر في صراعه ضد التحالف العربي بقيادة السعودية. يبدو أن الحوثي أصبح الحليف المدلل لأمريكا وإسرائيل في المنطقة، حيث تلتقي مصالحهم بشكل غير مباشر. هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يعكس حالة من الازدواجية السياسية التي تضع الحوثيين في موقف غريب، حيث يرفعون شعارات دعم فلسطين بينما يستمرون في تجويع شعبهم في تعز وتدمير حياته.

وفي الوقت الذي يدّعي الحوثي أنه في خط المواجهة من أجل فلسطين، يستمر في التقرب من القوى الدولية الكبرى مثل أمريكا وإسرائيل. فمنذ عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما وصولًا إلى عهد ترامب، حصل الحوثيون على دعم غير مباشر في صراعهم ضد التحالف العربي بقيادة السعودية. يبدو أن الحوثي أصبح الحليف المدلل لأمريكا وإسرائيل في المنطقة، حيث تلتقي مصالحهم بشكل غير مباشر. هذه العلاقة المعقدة توضح كيف أن الحوثي، رغم ادعاءاته بنصرة قضايا المظلومين، قد أصبح جزءًا من معادلة سياسية أكبر، يتحرك وفقًا لمصالحه الاستراتيجية بدلاً من الدفاع عن مبادئه.

لكن معاناة الشعب اليمني لا تقتصر على حصار تعز فقط. فقد امتد ظلم الحوثي ليشمل البحر الأحمر والعربي، حيث استهدف السفن التجارية في المنطقة. هذا الاستهداف، الذي يعكس حسابات الحوثيين السياسية، أدى إلى تعريض حركة التجارة البحرية للخطر، وتسبب في تعطيل تصدير النفط عبر الموانئ اليمنية. وبالتالي، أضاف هذا التهديد المستمر إلى الأزمة الاقتصادية في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، حيث انعكس ذلك في تدهور الوضع الاقتصادي بشكل كبير. مع توقف تصدير النفط، انهار مصدر رئيسي للإيرادات الحكومية، مما أسهم في هبوط قيمة الريال اليمني بشكل غير مسبوق، وزاد من الضغوط على الحياة اليومية للمواطنين.

تدهور الاقتصاد كان له تأثيرات كارثية على حياة اليمنيين، حيث عجزت الحكومة الشرعية عن دفع رواتب الموظفين بشكل منتظم، ما فاقم من معاناتهم. الآلاف من الأسر اليمنية أصبحت غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية، مما ضاعف من حجم الفقر والجوع في البلد. هذا التدهور الاقتصادي، الذي يعكسه انهيار العملة الوطنية، أدى إلى زيادة الاضطرابات الاجتماعية، وفقدان الأمل لدى كثير من المواطنين في إمكانية تحسن الوضع في المستقبل القريب.

لكن المعاناة لا تقتصر على سكان تعز أو المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، بل يشمل ذلك أيضًا المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، حيث يعاني المواطنون من قمع الحريات وتجويع غير مسبوق. إن الحوثي، الذي يحكم قبضته على العديد من المناطق، يفرض سلطته الحديدية على المواطنين، ويجبرهم على العمل بدون رواتب أو بنصف راتب كل ثلاثة أشهر، مما يزيد من معاناتهم المعيشية. بالإضافة إلى ذلك، يفرض الحوثي جبايات ثقيلة على المواطنين، سواء كانوا تجارًا أو أصحاب أعمال صغيرة، ما يزيد من الأعباء المالية عليهم في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية.

أحد أبرز مظاهر هذا القمع هو تسلط مشرفي الحوثي على حياة المواطنين، حيث يُفَرَض عليهم الخضوع الكامل لسلطة المليشيا، ويواجهون تهديدات متواصلة إذا حاولوا الاعتراض أو انتقاد الوضع. إضافة إلى ذلك، يشهد المواطنون تجريفًا للهوية الثقافية والدينية، حيث يتم فرض ثقافة وسلوكيات معينة على المجتمع، ويُحارب كل من يرفضها أو يعبر عن رأيه بحرية. وفي الوقت الذي ينشغل فيه الحوثي بهذه السياسات القمعية، يهتم فقط بتحشيد الدعم العسكري وتعزيز قدراته العسكرية، دون أن يولي أي اهتمام لتحسين الوضع المعيشي للمواطنين أو معالجة قضاياهم الإنسانية.

إن ما يحدث في تعز وما يمتد من تأثيرات إلى البحر الأحمر وعمق الاقتصاد اليمني، ليس مجرد أزمة محلية، بل هو نموذج صارخ للظلم الذي يتعرض له الشعب اليمني من قبل الحوثي. فمن خلال الحصار على تعز، والتهديدات في البحر، وتعطيل الاقتصاد الوطني، يواصل الحوثي تحميل الشعب اليمني عبئًا ثقيلاً من المعاناة، بينما يتاجر بالقضية الفلسطينية لتحقيق مصالحه الخاصة. إنه نظام يفرض الظلم على شعبه في الشمال والجنوب، ويواصل تجويعهم وإفقارهم، بينما يرفع شعارات المقاومة الزائفة لتحقيق مكاسب سياسية.

إن الواقع في تعز وغزة يعكس حجم التناقضات السياسية التي تحكم المنطقة. ففي تعز، يتعرض المدنيون للحصار والتجويع والموت في كل زاوية، بينما في غزة، يعيش الفلسطينيون نفس الظروف تحت وطأة الاحتلال. لكن ما يميز موقف الحوثي هو تبني خطاب المقاومة الذي يتناقض مع أفعاله. فالحديث عن نصرة غزة في وقت يحاصر فيه الحوثي شعبه في تعز، لا يمكن تفسيره إلا من خلال حسابات سياسية ضيقة تهدف إلى تحقيق مصالح معينة، سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي.

المعاناة في تعز يجب أن تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته. فمن غير المقبول أن تستمر هذه الجريمة ضد الإنسانية في صمت، بينما تتزايد معاناة المدنيين يوما بعد يوم. الحصار المفروض على تعز ليس مجرد حرب بين أطراف محلية، بل هو حرب على الحياة نفسها، حرب على الأمل والمستقبل، في وقت يرفع فيه الحوثيون شعارات دعم الشعب الفلسطيني، بينما يواصلون إغلاق الطرق وتدمير حياة شعبهم.


اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading