المولد النبوي: أداة تمكين لا عبادة

صدام المثيل
لم يعد الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف لدى إيران وأدواتها في المنطقة فعلا تعبديا. لقد جرى تحويله بعناية إلى مشروع متكامل الأبعاد، سياسي لشرعنة الحكم، وعقدي لإعادة تشكيل الهوية، واجتماعي لاختراق المجتمع من الداخل.
في البعد العقدي يجري العمل على انتزاع المناسبة من إطارها الإسلامي الجامع وإعادة إنتاجها في قالب طائفي مغلق. يتم ذلك عبر ربط ذكرى ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم بمفهوم الولاية ومركزية آل البيت، وتصوير الاحتفال الحقيقي على أنه تجديد للبيعة لا استلهام للسيرة. الهدف النهائي هو شرعنة التشيع في الحواضن السنية تحت غطاء عاطفي مقدس هو “حب النبي”.
سياسيا، تم توظيف الاحتفالات الضخمة كأداة لإنتاج الشرعية الشعبية للميليشيا. هي ليست احتفاءً بل استعراض قوة، وعملية تعبئة وتجنيد منظمة. يقوم الخطاب على تأسيس معادلة: “نحن المدافعون عن الإسلام والنبي” في مواجهة “الآخر الناصبي المعادي لآل البيت”. هذه الثنائية تمنح الجماعة المبرر الأيديولوجي لوجودها المسلح، ولفرض الجبايات، وللسيطرة على مفاصل الدولة.
اجتماعيا، تحول المولد إلى موسم اختراق ممنهج للنسيج المجتمعي. مهرجانات وتوزيع أموال وطعام وجوائز ومسابقات. يتم استهداف الأطفال والفئات الفقيرة بشكل مباشر، وغرس مفاهيم الولاية والمرشد وولاية الفقيه في الوعي المبكر. الهدف هو صناعة جيل جديد مرتبط بالمشروع لا بالهوية المحلية.
على مستوى التنفيذ، تم تفريغ ذكرى الميلاد من محتواها السيري والأخلاقي واستبدالها بخطاب مركزه كربلاء والخميني والخامنئي. وتحولت المنابر من مدارس للسيرة إلى منصات للولاء السياسي. كما جرى فرض طقوس ومظاهر مستوردة: مواكب منظمة، لافتات خضراء موحدة، أناشيد خاصة، وشعارات مطابقة لما يرفع في طهران. الغاية هي طمس الهوية المحلية واستبدالها بهوية “محور المقاومة”.
اقتصاديا، تحولت المناسبة إلى موسم جباية إجبارية. تفرض “إتاوات المولد” على التجار والموظفين، وتجمع مبالغ طائلة باسم الدين ليعاد توجيهها إلى تمويل الحرب وآلة الدعاية. أما إعلامياً، فيتم إدارة حملة تضخيم واسعة لتسويق الاحتفالات باعتبارها “الأضخم في العالم”. الهدف هو صناعة انطباع بالإجماع الشعبي وترسيخ صورة القوة وخلق زخم دعائي مستمر.
وتكشف هذه السياسة عن عدة دلالات. أولها أن من يتحكم بالمناسبات الدينية يتحكم بالشارع، وقد أصبح الاحتفاء بالمولد معياراً للولاء. وثانيها أن التطابق التام في الشعارات والألوان والخطاب مع إيران يكشف أن القرار ليس محليا وأن إدارة المناسبة تتم من الخارج. وثالثها أن الدين تم سحبه من مجال العبادة وتوظيفه كأداة للتعبئة السياسية، وتم استدعاء اسم النبي صلى الله عليه وسلم لخدمة مشروع سلطوي. ورابعها أن إحياء المولد بهذه الصورة يشكل خطاً فاصلاً جديداً مع المكون السني، وهو رد غير مباشر يهدف إلى تعميق الانقسام.
وبالمحصلة النهائية إيران وأدواتها لا تحتفي بالمولد النبوي حبا في النبي صلى الله عليه وسلم . إنما تحتفي به من أجل ثلاث غايات مركزية: الشرعية، والمال، والتعبئة. فالمناسبة باتت آلية لتثبيت الحكم، وجمع الموارد، وإعادة هندسة المجتمع عقديا، وكل ذلك يتم تحت شعار “حب الرسول”.
اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

