وداع الشيخة هِندة : أصالةُ البدايات وجبرُ الختام

بقلم: شادية محمد حمود سرحان
وصلت سيارة الإسعاف إلى منزل والدتي، ونُقلت جدتي إلى المستشفى بعد أن أُغمي عليها في غرفتها. هناك، أخبرنا الأطباء أنها دخلت في غيبوبة قد تستمر يوماً أو بضعة أيام.
منذ تلك اللحظة، تقاسمتُ وأخوتي مسؤولية البقاء ومرافقة جدتي في المستشفى على مدار الأربع وعشرين ساعة، مؤازرين والدتي التي لم تكن تغادر سريرها إلا لتبديل ملابسها في المنزل ثم العودة سريعاً.
تقضي قوانين المستشفيات في بريطانيا عادةً بوجود مرافق واحد فقط، أو التناوب بين الحين والآخر, لكننا كنا محظوظين؛ إذ لم تخلُ غرفة جدتي منا ومن الزوار طوال الوقت، ولم يمنعنا أحد قط
مرت الأيام ولم تستفق جدتي، بل أصيبت بشلل نصفي أيضاً
ورغم ذلك، كنا نتحدث إليها ونُشعرها بوجودنا حولها، لكنها لم تكن تستجيب لأحد سوى لأمي
أمي التي ربّتها جدتي منذ أن كانت في الثامنة عشرة من عمرها، بعد أن زُفّت عروساً إلى اليمن تاركة خلفها عائلتها وحياتها لترحل إلى بلد لا تعرف عنه سوى اسمه وتبدأ أيامها الجديدة برفقة جدتي التي تعلّمت منها نمط حياتها ولغتها
لطالما دار في ذهني سؤال كيف استطاعتا الانسجام وهما من عالمين مختلفين تماماً من جميع النواحي إلا أن الرابط بينهما كان وثيقاً وعميقاً حتى إنه بعد وفاة والدي و عندما قررت أمي العودة والعيش في بريطانيا لم تطاوعها نفسها أن تترك جدتي وحيدة في اليمن وقررت اصطحابها للعيش معها فكانت بمثابة ابنتها التي لم تلدها
لذلك كلما حاولت الممرضات تغيير ملابس جدتي كان جسدها يتصلب كقطعة من خشب محاولةً منعهنّ من لمسها حتى تشعر بلمسة يد أمي تطمئنها “أنا هنا بجانبك”.
ورغم أن جدتي كانت صمّاء وقد أُزيل عنها جهاز السمع إلا أنها بطريقة ما كانت تميز يد أمي فتستسلم لها استسلاماً تاماً.
قضت جدتي عشرة أيام في المستشفى لم نتركها خلالها ليلاً ولا نهاراً.
وفي تلك الليلة كان أغلبنا متواجدين وطلب زوجي الاختلاء بها لسبب أجهله.
بعد أن غادر الغرفة اخذ بيدي و ادخلني الغرفة دخلتُ بمفردي وشعرتُ بانقباض غريب لم أعهده من قبل احتضنتُ جدتي بكل ما أوتيت من قوة وانهلتُ بالبكاء دون أن أعرف سبباً لذلك ثم غادرتُ إلى البيت وبقي أخي برفقتها تلك الليلة.
في الصباح الباكر من اليوم التالي، توجهتُ إلى المستشفى ليتسنى لأخي العودة إلى المنزل للاستراحة. ثم حضرت أمي وبعض شقيقاتي، وقررت أمي الذهاب للتسوق قليلاً.
وقبل صلاة الظهر، جاءت الممرضة لتغيير ملابس جدتي، ثم نادتني لمساعدتها في ربط وشاح رأسها (المِصَر)، إذ لاحظتْ أن جدتي كانت مستاءة وكأنها تشعر بأن شعرها قد انكشف. دخلتُ وقمت بتعديله وربطه بالطريقة المعتادة التي كانت تحبها جدتي.
تأملتها وهي نائمة في غيبوبتها، كيف حافظت على سترها وهي في أضعف حالاتها! كانت الممرضات يتعجبن من حالها؛ فرغم فقدانها للوعي وعجزها عن تحريك نصفها الأيسر، إلا أنها كانت تتمسك بملابسها بأطراف أصابع يدها اليمنى كلما حاولن تغييرها.
وفي الوقت الذي كنت أرى فيه الممرضات يجتهدن لستر المريضات في الغرفة المجاورة، كانت جدتي تتولى ستر نفسها بنفسها، متمسكة بعفتها وحيائها.
أكملتُ ربط وشاحها وقبّلتها، ولم أكن أعلم أنها القبلة الأخيرة.
لم تمر عشر دقائق حتى أخبرتنا الممرضة أن جدتي في أنفاسها الأخيرة. ورغم غيابها عن الوعي، أمسكتُ بيدها وبدأت ألقنها الشهادة. كنت أعلم أنها لا تسمعني، لكن شيئاً في داخلي أصرّ على ذلك. لا أعلم من أين استمددت تلك القوة والسكينة والثبات وسط صراخ وبكاء شقيقاتي؛ وضعت رأسي بجانب رأسها، واستمررت في تلقينها واستيداعها عند الله، حتى أخبرتنا الممرضة أنها قد فارقت الحياة.
رحلت دون أن أشعر بلحظة خروج روحها، وأنا التي كانت أنفاسي تلامس خدها، وارتعاش صوتي يحاول اختراق مسامعها لتسمعني.
غادرت جدتي إلى خالقها، الذي كانت تخاطبه خمس مرات في اليوم؛ فحتى وهي في غيبوبتها، لم تتوقف سبابتها عن الارتفاع بالتشهد.
هكذا انتقلت إلى رحمة الله وجواره جدتي (هندة ياسر سيف ناصر قاسم الأجشوبي) في 4-9-2022.
رحلت جدتي هندة ياسر سبف ناصرالأجشوبي ، بسلام كما كانت دائماً مسالمة، محبة للخير وللجميع. عاشت يتيمة الأب، محرومة من الأم، في كنف جدها الشيخ الكبير، لتكبر وتحمل هذا الوقار وتتزوج من جدي (ابن عمها) في عمر صغير ليكبرا معاً، فكانت هي السند والأصل والأساس.
ورغم أن جدي تزوج بعدها مرتين، لتعيش جدتي سنواتها مع أبي وحيدة، إلا أنها ظلت شامخة بكبريائها، صابرة على قدرها، ومربّية لمن أصبح شيخ القبيلة من بعد أبيه وجده (أبي).
لقد أهملتها الدنيا طويلاً، لكن الله لم يهملها؛ فما إن فاضت روحها إلى بارئها، حتى ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بنعيها والتعزية باسمها، في تظاهرة حب وتكريم إلهي لم نشهد له مثيلاً، وكأن الله أراد أن يعوضها في مماتها عما قصرت فيه الدنيا في حياتها، ليُثبت للجميع أنها كانت وستظل “الشيخة” بأصالتها ومقامها، وهي قبل كل شيء كانت و مازالت شيخة قلوبنا.
ورغم أن الله لم يرزقها سوى أبي، إلا أنه عوضها بأحد عشر حفيداً، وعاشت حتى رأت أحفاد أحفادها.
ورغم غيابها الجسدي إلا أننا جميعاً نشعر وكأن طيفها ما زال حاضراً بيننا حتى اليوم.
وداعة الله يا حبيبة القلب، وإلى الملتقى في جنات النعيم بإذن الله.
اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
