مقالةالدكتور عوض أحمد العلقمي

من أرشيف الذاكرة 4

بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي

المقاطرة نيوز | من أرشيف الذاكرة 4

   وبعد أن عادت اللجان إلى عاصمة المحافظة ، وعدت أنا إلى مزاولة عملي أيضا في العاصمة ، طلب مني أحد الزملاء أن أذهب معه إلى مكتب التربية والتعليم ؛ لإقناع المسؤلين هناك بحل مشكلته التي لاتختلف عن مشكلتي في شيء ؛ إذ رفعت المدرسة به ضمن المنتدبين وغيره وضعت لهم برامج وحصص مع أنهم منتدبون مثله ، أثبتنا للإدارة بالأدلة والبراهين ازدواجية المعايير ، والكيل بمكيالين ، الأمر الذي جعلهم ينصفون ذلك المعلم .
   في هذه الأثناء ، وقبل أن ننصرف عن مكتب التربية ، نظر إلي ذلك المعلم ، ثم قال : هل أنت متأكد من أن أمورك طيبة ، وأن اسمك قد رفع ضمن المستفيدين من قانون المعلم ؟ قلت : أجل ، وأظنك كنت معي ليلة المنازعة التي حصلت بيني وبين اللجنة ، ثم الاتفاق على أن يتم الرفع بكل المعلمين ، وبعد ذلك طلبت اللجنة من المدير أن يملأ استمارتي ببرنامج تدريسي ثم يقوم بالتوقيع والتختيم على ذلك ، قال : أجل ، ولكن لماذا لاتتأكد من أن بياناتك سليمة من الإدارة هنا بمكتب التربية ؟ قلت : يبدو أنك يازميلي لاتعرف علاقتي بالمدير ؟ قال : بلى ، أعرف ذلك جيدا ، وأعرف أنه ليس له صلة بأرباب القمصان الخضر ، لاسيما بعد أن حاولوا إزاحته من إدارة المدرسة ، وأنت من انتصر له وأعاده ، ولكن أولئك لايؤمن جانبهم ياصديقي ، قلت : لكن هل تتوقع أن اللجنة تستطيع أن تغير شيئا في الاستمارة بعد أن وقع عليها المدير وختم ، قال : كلا ياصديقي ، غير أننا بعد أن وجدنا هنا ما الذي سيضيرنا إذا ماتأكدنا من صحة بياناتك ؟ قلت : سأفعل ذلك نزولا عند رغبتك وحسب ، فتح المختص سجلا ضخما ، وذهب يتتبع حرف العين حتى وصل إلى اسمي ، وإذا بالمستطيل الذي احتوى اسمي ، قد أفرغ من أي بيانات غير الكلمات : مفرغ من العمل في المدرسة ؛ لأنه يعمل في مرفق آخر .
   عند ذلك استوعبت الصدمة ، ولم أبد أي غضب أو تذمر ، فقط سألت المختص ، من الذي ملأ هذا السجل ؟ قال : نحن نملأه من استمارات المعلمين التي يملأها مدير المدرسة ويوقع عليها ويختم ، قلت : أرني إذا تكرمت استمارة المدرسة الفلانية ؟ قال : هاك إياها ، نظرت إليها ، وإذا بها تحمل اسمي ، وتلك الجملة المدونة في السجل ، وعليها توقيع المدير وختمه ، وهنا صرخت بكل ثقة قائلا : هناك من استبدل استمارتي باستمارة مزورة ، وزور توقيع المدير وختمه ، قال المختص : اهدأ يا أخي ، وسوف نبعث برقية لاسلكية عبر مركز الشرطة في بلدتكم بحضور المدير صباح غد ، وعند ذلك سنعلم كل شيء .
   في اليوم التالي حضر المدير ، اصطحبته بكل ود نحو المختص ، ودرجة الثقة عندي ببراءة المدير مائة في المائة ، إن لم تكن أكثر ، أخرج المختص الاستمارة ، ثم سأل المدير ، هل هذا توقيعك ؟ قال : أجل ، لكن بصوت خافت لم يكد يبلغ مسامعي ، أردف المختص بالسؤال ، وهل هذا ختمك ؟ وهنا حاول أن يجيب بهز رأسه بهدوء إذ لم تسعفه لسانه بالنطق ، وفي هذا الموقف كدت أن أفارق الحياة لهول هذا الفعل الخياني غير المسوغ ، إلا أن الخيانة قد أضحت سلوكا يجري في دمه ، وفي هذه اللحظات المميتة ، تذكرت قول قائد شرطة البلدة : ” سوف تكتوي بنار خيانته ذات يوم ” حدقت بنظري مليا نحو عينيه ، لكنه ظل ناكسا رأسه ينظر إلى قدميه ، انصرفت عنه ، وقدماي تعجز عن حملي ، بل أكاد أسقط في أي لحظة ، فضلا عن عيني اللتين لم يعودا يبصران الطريق ، أما خيالي فقد ذهب إلى أبعد من ذلك ؛ إذ رحل يفتش في الذاكرة ، ليذكرني كيف كنت أرسل ابني بمركبتي ليأتي به يشاركني طعام الغداء إذا ماكانت الوجبة طيبة ، أو طعام العشاء إذا ماكانت المائدة دسمة … بئس الخيانة والخائن ، إنهما أسوأ ماقد يسلكه الإنسان في هذه الدنيا .


اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading